كتاب سير أعلام النبلاء ط الرسالة (اسم الجزء: 6)
وَقِيْلَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُ: أَرَى ابْنَيْكَ قَدِ اسْتَوْحَشَا مِنِّي، وَإِنِّي لأُحِبُّ قُرْبَهُمَا.
قَالَ: مَا لِي بِهِمَا عِلْمٌ، وَقَدْ خَرَجَا عَنْ يَدِي.
وَقِيْلَ: هَمَّ الأَخَوَانِ بِاغتِيَالِ المَنْصُوْرِ بِمَكَّةَ، وَوَاطَأَهُمَا قَائِدٌ كَبِيْرٌ، فَفَهِمَ المَنْصُوْرُ، فَتَحَرَّزَ، وَهَرَبَ القَائِدُ، وَتَحَيَّلَ المَنْصُوْرُ مِنْ زِيَادٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى المَدِيْنَةِ مُحَمَّدَ بنَ خَالِدٍ القَسْرِيَّ، وَبَذَلَ لَهُ أَزْيَدَ مِنْ مائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ إِعَانَةً، فَعَجَزَ، فَعَزَلَهُ بِرِيَاحِ بنِ عُثْمَانَ بنِ حَيَّانَ المُرِّيِّ، وَعُذِّبَ القَسْرِيُّ.
فَأُخْبِرَ رِيَاحٌ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْد اللهِ فِي شِعْبِ رَضْوَى مِنْ أَرْضِ يَنْبُعَ.
فَنَدَبَ لَهُ عَمْرَو بنَ عُثْمَانَ الجُهَنِيَّ، فَكَبَسَه لَيْلَةً، فَفَرَّ مُحَمَّدٌ، وَمَعَهُ وَلَدٌ، فَوَقَعَ مِنْ جَبَلٍ مِنْ يَدِ أُمِّه، فَتَقَطَّعَ.
وَفِيْهِ يَقُوْلُ أَبُوْهُ:
مُنْخَرِقُ السِّربَالِ يَشْكُو الوَجَى ... تَنكُبُهُ أَطرَافُ مَرْوٍ حِدَادْ
شَرَّدَهُ الخَوْفُ وَأَزْرَى بِهِ ... كَذَاكَ مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الجِلاَدْ
قَدْ كَانَ فِي المَوْتِ لَهُ رَاحَةٌ ... وَالمَوْتُ حَتْمٌ فِي رِقَابِ العِبَادْ
وَتَتَبَّعَ رِيَاحٌ بَنِي حَسَنٍ، وَاعْتَقَلَهُم.
فَأَخَذَ: حَسَناً وَإِبْرَاهِيْمَ ابْنَيْ حَسَنٍ - وَهُمَا عَمَّا مُحَمَّدٍ - وَحَسَنَ بنَ جَعْفَرِ بنِ حَسَنِ بنِ حَسَنٍ، وَسُلَيْمَانَ بنَ دَاوُدَ بنِ حَسَنِ بنِ حَسَنٍ، وَأَخَاهُ؛ عَبْدَ اللهِ، وَمُحَمَّداً، وَإِسْمَاعِيْلَ وَإِسْحَاقَ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيْمَ المَذْكُوْرِ، وَعَبَّاسَ بنَ حَسَنِ بنِ حَسَنِ بنِ حَسَنٍ، وَأَخَاهُ؛ عَلِيّاً العَابِدَ، وَقَيَّدَهُم.
وَشَتَمَ ابْنَيْ حَسَنٍ عَلَى المِنْبَرِ، فَسَبَّحَ النَّاسُ، وَعَظَّمُوا قَوْلَه.
فَقَالَ رِيَاحٌ: أَلصَقَ اللهُ بِوُجُوهِكُمُ الهَوَانَ، لأَكتُبَنَّ إِلَى خَلِيْفَتِكُم غِشَّكُم.
فَقَالُوا: لاَ نَسْمَعُ مِنْكَ يَا ابْنَ المَجْلُوْدَةِ (1) .
وَبَادَرُوْهُ يَرمُونَه بِالحَصبَاءِ، فَنَزَلَ، وَاقْتَحَمَ دَارَ مَرْوَانَ، وَأَغلَقَ عَلَيْهِ، فَأَحَاطَ بِهِ النَّاسُ، وَرَجَمُوْهُ، وَشَتَمُوْهُ، ثُمَّ إِنَّهُم كَفُّوا، وَحَمَلُوا آلَ حَسَنٍ فِي القُيُوْدِ
__________
(1) في تاريخ الإسلام: " المحدودة ".
وفي الطبري: " المجلود ".
الصفحة 212