كتاب سير أعلام النبلاء ط الرسالة (اسم الجزء: 14)

الاتِّحَادِ (1) فَإِنَّهُ زَنْدَقَةٌ -.
قَالَ فَارِسٌ الحَمَّالُ: رَأَيْتُ النُّوْرِيَّ خَرَجَ مِنَ البَادِيَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلاَّ خَاطِرُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَلْحَقُ الأَسْرَارَ مَا يَلْحَقُ الصِّفَاتِ؟ - يُرِيْدُ الضَّنَا الَّذِي رَأَى بِهِ - فَقَالَ: إِنَّ اللهَ (2) أَقْبَلَ عَلَى الأَسْرَارِ فَحَمَلَهَا، وَأَعْرَضَ عَنِ الصِّفَاتِ فَمَحَقَهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُوْلُ:
أَهَكَذَا صَيَّرَنِي ... أَزْعَجَنِي عَنْ وَطَنِي
حَتَّى إِذَا غِبْتُ بِهِ ... وَإِذْ بَدَا غَيَّبَنِي (3)
وَاصَلَنِي..حَتَّى إِذَا ... وَاصَلْتُهُ قَاطَعَنِي
يَقُوْلُ: لاَ تَشْهَدُ مَا ... تَشْهَدُ أَوْ تَشْهَدُنِي (4)
قَالَ: وَلَمَّا مَاتَ النُّوْرِيُّ، قَالَ الجُنَيْدُ: ذَهَبَ نِصْفُ العِلْمِ بِمَوتِهِ.
وَقِيْلَ: قَالَ النُّوْرِيُّ لِلْجُنَيْدِ: غَشَشْتَهُمْ فَصَدَّرُوكَ، وَنَصَحْتُ لَهُمْ فَرَمَونِي بِالحِجَارَةِ.
قِيْلَ: كَانَ النُّوْرِيُّ يَلْهَجُ بِفَنَاءِ صِفَاتِ العَارِفِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَبُو جَادَ فَنَاءِ ذَاتِ العَارِفِ كَمَا زَعَمَتِ الاتِّحَادِيَّةُ، فَقَالُوا بِتَعْمِيمِ فَنَاءِ السِّوَى، وَقَالُوا: مَا فِي الكَوْنِ سِوَى اللهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ تَعَالَى اتَّحَدَ لِخَلْقِهِ، وَأَنْتَ أَنَا، وَأَنَا أَنْتَ، وَأَنْشَدُوا:
__________
(1) انظر في تعريف " الاتحاد " ما كتبه محمد فريد وجدي في " دائرة معارف القرن العشرين " 10 / 684 678.
(2) لفظ " الحلية ": إن الحق.
(3) رواية البيت في الحلية كما يلي: حتى إذا غبت بدا * وإن بدا غيبني
(4) الخبر والابيات في " حلية الأولياء " 10 / 250.

الصفحة 73