كتاب سير أعلام النبلاء ط الرسالة (اسم الجزء: 15)
وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ، قُطِعَتْ مِنْ مَكَّة الدعوةُ المستنصريَّة، وَخُطب لِلْقَائِم بِأَمر الله، وَتُرِكَ الأَذَانُ بحِي عَلَى خَيْرِ العَمَل (1) ، وَذَلِكَ لذلَّة المِصْرِيين بِالقَحط الأَكْبر وَفنَائِهِم، وَأَكَلَ بَعْضُهم بَعْضاً، وَتمزَّقُوا فِي البِلاَد مِنَ الْجُوع، وَتمحَّقَتْ خزَائِنُ المُسْتَنْصِر، وَافتقرَ، وَتعثَّر (2) .
وفِي هَذِهِ النوبَة نقل صَاحِبُ (الْمرْآة (3)) ، أَنَّ امْرَأَة خَرَجَتْ وَبيدهَا مُدُّ لُؤْلُؤ لتشتريَ بِهِ مُدُّ قمحٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا أَحَدٌ، فَرَمَتْهُ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ يَلْتَقِطُه (4) .
فَكَادَ الخرَابُ أَنْ يَسْتَولِي عَلَى سَائِر الأَقَالِيْم، حَتَّى لأُبيع الكَلْبُ بستةِ دَنَانِيْر وَالقط بِثَلاثَةِ دَنَانِيْر، حَتَّى أُبيع الإِردبّ بِمائَة دِيْنَار (5) .
وَفِي سَنَةِ 63 هَزَمَ السُّلْطَان أَلْب أَرْسَلان طَاغيَةَ الرُّوْم وَأَسَرَه، وَقُتِلَ مِنَ العَدُوِّ سِتُّوْنَ أَلْفاً (6) .
وَأَقبلَ أَتسز (7) الخوَارزْميُّ، أَحَدُ أُمرَاء أَلب أَرْسَلان، فَاسْتولَى عَلَى الشَّامِ إِلاَّ قَلِيْلاً، وَعَسَف وَتمرَّد وَعَتا (8) .
واشْتَغَل جَيْشُ مِصْر بنفُوسهم. ثُمَّ اختلفُوا، وَاقْتَتَلُوا مُدَّةً، وَصَارُوا
__________
(1) " الكامل ": 10 / 61.
(2) " الكامل ": 10 / 61 - 62.
(3) هو يوسف بن قزغلي، أبو المظفر، سبط ابن الجوزي، مؤرخ من الكتاب، ولد ونشأ ببغداد، ورباه جده، وانتقل إلى دمشق، فاستوطنها، وتوفي فيها سنة / 654 / هـ من كتبه " مرآة الزمان في تاريخ الأعيان " صور منه المجلد الثامن، وهو آخر الكتاب.
(4) " النجوم الزاهرة ": 5 / 17.
(5) " النجوم الزاهرة ": 5 / 16 والاردب كيل كبير يستعمل لتقدير الحبوب، ويزن مئة وخمسين كيلو غرام.
(6) " المنتظم ": 8 / 260 - 265.
(7) في الأصل: أطسز، والصواب ما أثبتناه كما سيذكره المصنف في الصفحة 193.
(8) " ذيل تاريخ دمشق ": 98 - 99.
الصفحة 190