كتاب سير أعلام النبلاء ط الرسالة (اسم الجزء: 16)
الكَلاَمِ) :سَمِعْتُ عبدَ الصَّمدِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: أَنكرُوا عَلَى أَبِي حَاتِمٍ بنِ حِبَّانَ قولَهُ: النُّبُوَّةُ: العِلْمُ وَالعملُ، فحكمُوا عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ، هُجرَ، وَكُتِبَ فِيْهِ إِلَى الخَلِيْفَةِ، فَكَتَبَ بِقَتْلِهِ.
قُلْتُ: هَذِهِ حِكَايَةٌ غريبَةٌ، وَابنُ حِبَّانَ فَمِنْ كبارِ الأَئِمَةِ، وَلَسْنَا نَدَّعِي فِيْهِ العِصْمَةَ مِنَ الخَطَأِ، لَكِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي أَطلقَهَا، قَدْ يُطلقُهَا المُسْلِمُ، وَيُطلقُهَا الزِّنديقُ الفيلسوفُ، فَإِطلاَقُ المُسْلِمِ لَهَا لاَ يَنْبَغِي، لَكِنْ يُعتذرُ عَنْهُ، فَنَقُوْل: لَمْ يُردْ حصرَ المبتدأِ فِي الخَبَرِ، وَنظيرُ ذَلِكَ قولُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: (الحَجُّ عَرَفَةٌ (1)) وَمعلومٌ أَنَّ الحَاجَّ لاَ يصيرُ بِمُجَرَّدِ الوُقُوْفِ بِعَرَفَةِ حَاجّاً، بَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ فروضٌ وَواجبَاتٌ، وَإِنَّمَا ذكرَ مُهمَّ الحَجِّ.
وَكَذَا هَذَا ذكرَ مُهمَّ النُّبُوَّةِ، إِذْ مِنْ أَكملِ صفَاتِ النَّبِيِّ كمَالُ العِلْمِ وَالعملِ، فَلاَ يَكُون أَحدٌ نَبِيّاً إِلاَّ بوجودِهِمَا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ برَّزَ فِيْهِمَا نَبِيّاً، لأَنَّ النُّبُوَّةَ مَوْهِبَةٌ مِنَ الحَقِّ - تَعَالَى -، لاَ حِيْلَةَ للعبدِ فِي اكتسَابِهَا، بَلْ بِهَا يتولَّدُ العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ وَالعملُ الصَّالِحُ.
وَأَمَّا الفيلسوفُ فَيَقُوْلُ: النُّبُوَّةُ مكتسبَةٌ يُنْتجُهَا العِلْمُ وَالعملُ، فَهَذَا
__________
(1) أخرجه أحمد 4 / 309 و310 و335، والحميدي (899) ، أبو داود (1949) ، والترمذي (889) ، والنسائي 5 / 264، وابن ماجه (3015) ، والدارمي 2 / 59، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 2 / 209، 210، والدارقطني 2 / 240، 241، والبيهقي 5 / 116 و173، والطيالسي 1 / 220 من حديث عبد الرحمن بن بعمر الديلمي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، فجاء ناس أو نفر من أهل نجد، فأمروا رجلا، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف الحج؟ فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، فنادى: الحج يوم عرفة من جاء قبل الصبح من ليلة جمع فتم حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر، فلا إثم عليه، قال: ثم أردف رجلا خلفه، فجعل ينادي بذلك.
وصححه ابن حبان (1009) ، والحاكم 1 / 464 و2 / 278، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا.
الصفحة 96