كتاب سير أعلام النبلاء ط الرسالة (اسم الجزء: 20)

الفَضْل بن أَبِي نَصْرٍ الطُّوْسِيّ، فَيَقُوْلُ:
مَا نَعلم مَنْ يَسْتَحقُّ هَذَا اللَّقَب اليَوْم - أَعنِي: الحَافِظ - وَيَكُوْن حقيقاً بِهِ سِوَاهُ.
كَذَا حَدَّثَنِي أَبُو المَوَاهِبِ بن صَصْرَى.
وَقَالَ: لَمَّا دَخَلت هَمَذَان أَثْنَى عَلَيْهِ الحَافِظُ أَبُو العَلاَءِ، وَقَالَ لِي: أَنَا أَعْلَم أَنَّهُ لاَ يُسَاجل الحَافِظ أَبَا القَاسِمِ فِي شَأْنه أَحَد، فَلَو خَالَقَ النَّاس وَمَازجهُم كَمَا أَصْنَع، إِذاً لاجْتَمَعَ عَلَيْهِ المُوَافِق وَالمُخَالِفُ.
وَقَالَ لِي أَبُو العَلاَءِ يَوْماً: أَيُّ شَيْءٍ فُتِحَ لَهُ، وَكَيْفَ تَرَى النَّاسَ لَهُ؟
قُلْتُ: هُوَ بعيد مِنْ هَذَا كُلّه، لَمْ يَشتغل مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً إِلاَّ بِالجمع وَالتصنِيف وَالتسمِيْع حَتَّى فِي نُزهه وَخلوَاته.
فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ، هَذَا ثَمَرَة العِلْم، أَلاَ إِنَّا (1) قَدْ حَصَلَ لَنَا هَذِهِ الدَّارُ وَالكُتُب وَالمَسْجَد، هَذَا يَدلّ عَلَى قلّة حُظُوظ أَهْل العِلْمِ فِي بِلاَدكُم.
ثُمَّ قَالَ لِي: مَا كَانَ يُسَمَّى أَبُو القَاسِمِ بِبَغْدَادَ إِلاَّ شعلَة نَار مِنْ تَوقُّده وَذكَائِهِ وَحُسن إِدرَاكه (2) .
وَرَوَى زَين الأُمَنَاءِ، حَدَّثَنَا (3) ابْنُ القَزْوِيْنِيّ، عَنْ وَالِده مُدَرِّس النِّظَامِيَّة، قَالَ:
حَكَى لَنَا الفُرَاوِيّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ عَسَاكِرَ، فَقَرَأَ عَلَيَّ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَر، فَأَضجَرَنِي، وَآليتُ أَنْ أُغلِقَ بَابِي، وَأَمتنعَ، جرَى هَذَا الخَاطر لِي بِاللَّيْلِ، فَقَدم مِنَ الغَدِ شَخْص، فَقَالَ: أَنَا رَسُوْل اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْك، رَأَيْتهُ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ: امْضِ إِلَى الفُرَاوِيّ، وَقُلْ لَهُ: إِن قَدِمَ بلدكُم رَجُل مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَسْمَر يَطلب حَدِيْثِي، فَلاَ يَأْخُذْكَ مِنْهُ ضَجَرٌ وَلاَ مَلَلٌ.
قَالَ:
__________
(1) تحرف في كتاب " ابن عساكر " ص 38 إلى " أنه ".
(2) انظر " تذكرة الحفاظ " 4 / 1331، 1332، و" طبقات " السبكي 7 / 218، و" معجم الأدباء " 13 / 84، 85.
(3) سقط لفظ " حدثنا " من كتاب " ابن عساكر " ص 38، فأوهم أن زين الامناء هو ابن القزويني.

الصفحة 564