كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
فلمَّا حدث بعد انقضاء عصرهم مَنْ ساء فهمُه وساء قصدُه (¬١) وقعوا في أنواع من (¬٢) التأويل بحسب سوء الفهم وفساد القصد [ق ٣٠ أ]. وقد يجتمعان وقد ينفردان، وإذا (¬٣) اجتمعا تولَّد من بينهما جهلٌ بالحق ومعاداة لأهله واستحلال ما حرَّم الله منهم.
وإذا تأملتَ أصول المذاهب الفاسدة رأيتَ أربابها قد اشتقوها من بين هذين الأصلينِ، وحملهم عليها منافسةٌ في (¬٤) رياسةٍ أو مالٍ أو توصُّلٍ إلى عَرَض من أعراض (¬٥) الدُّنيا، تخطبه الآمالُ، وتتبعه الهممُ، وتشرئبُّ إليه النفوسُ، فيتفق للعبد شبهةٌ وشهوةٌ، وهما أصل كل فسادٍ، ومنشأ كل تأويلٍ باطلٍ.
وقد ذمَّ الله سبحانه مَن اتبع الظنّ وما تهوى الأنفس، فالظن: الشبهات وما تهوى الأنفس (¬٦): الشهوات، وهما اللذان ذكرهما في سورة براءة في قوله تعالى: {كَاَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاَسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاَسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اَسْتَمْتَعَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا} [التوبة: ٦٩].
فذكر الاستمتاعَ بالخَلاقِ، وهو التمتع بالشهوات، وهو نصيبهم الذي
---------------
(¬١) وسوء القصد هو السبب الثاني الذي من السامع.
(¬٢) «من» ليس في «ب».
(¬٣) «ب»: «فإذا».
(¬٤) «في» ليس في «ح».
(¬٥) «ب»: «غرض من أغراض».
(¬٦) «فالظن الشبهات، وما تهوى الأنفس». سقط من «ح».