كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
لا يقتضيه النقل. وقال الآخر: في الرَّأي والقياس ما لا يجيزه الحديث. وقال الآخر: في الذوق والحقيقة ما لا تسوغه الشريعة. وقال الآخر: في السياسة ما تمنع منه الشريعة. وقال الآخر: في الباطن ما يكذبه الظَّاهر. فباطل هؤلاء كلهم لا ضابط له، بخلاف الوحي فإنه أمر مضبوطٌ مطابقٌ لما عليه الأمر في نفسه، تلقَّاه الصَّادق المصدوق من لدن حكيمٍ عليمٍ.الوجه السَّادس والثمانون: أن الصَّحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص فيه (¬١)، فيوردون إشكالاتهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجيبهم عنها، وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحدٌ منهم يورد عليه معقولًا يعارض النَّصَّ البتةَ، ولا عُرف فيهم أحدٌ ـ وهم أكمل الأُمم عقولًا ـ عارَضَ نصًّا بعقله يومًا من الدهر، وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار ـ كما تقدم (¬٢).
وثبت في «الصحيح» (¬٣) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ. فقالت عائشة يا رسول الله: أليس الله يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: ٧ - ٨] فقال: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». فأشكل عليها الجمع بين النصَّين حتى بيَّن لها ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنه لا تعارُض بينهما، وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يُبيِّن الله فيه لكل عاملٍ عمله، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: ١٨] حتى إذا ظنَّ
---------------
(¬١) «فيه» ليس في «م». والضمير يعود للوحي.
(¬٢) تقدم (ص ٦٧٤ - ٦٧٥).
(¬٣) البخاري (٦٥٣٦) ومسلم (٢٨٧٦).