كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

لا يكون إلَّا لواحدٍ. وهاتان مقدمتان يقينيتان معلومتان بصريح العقل، وجاءت نصوص الأنبياء مفصلةً لما في صريح العقل إدراكه قطعًا، فاتفق على ذلك العقل والنقل.
قال تعالى: {وَلَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذَابَ أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [البقرة: ١٦٤]. وقد اختُلف في تعلُّق قوله: {أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} بماذا؛ فقالت طائفة: هو مفعول (¬١) {يَرَى} أي: ولو يرون أن القوة لله جميعًا لما عصوه، ولما كذَّبوا رسله، وقدَّموا عقولهم على وحيه. وقالت طائفة: بل المعنى لأن القوة لله جميعًا، وجواب {لَوْ} محذوفٌ على التقديرين، أي: لو يرى هؤلاء حالهم وما أعدَّ الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرًا عظيمًا، ثم قال: {أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} وهو متضمن للتهديد الشديد والوعيد (¬٢).
وقال تعالى: {بَل لِّلَّهِ اِلْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: ٣٢] وقال: {إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلُّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: ١٥٤]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الاستفتاح: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ (¬٣)» (¬٤). وفي الأثر الآخر: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» (¬٥). فلله سبحانه كل
---------------
(¬١) «ح»: «منقول». وهو تصحيف، والمثبت من «م».
(¬٢) ينظر: «التفسير البسيط» للواحدي (٣/ ٤٧١ - ٤٧٧).
(¬٣) «م»: «في يديك». وكذا في «صحيح مسلم».
(¬٤) أخرجه مسلم (٧٧١) عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
(¬٥) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٢٣٨٣٥) وعبد الرزاق في «المصنف» (٥١٤٢، ٧٩٤٩) وابن أبي الدنيا في «الهواتف» (ص ٦١) والطبراني في «الدعاء» (١٧٤٦) عن رجل عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - مرفوعًا، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٦ (: «رواه أحمد، وفيه راوٍ لم يسم، وبقية رجاله ثقات». وينظر «السلسلة الضعيفة» (٦٨٥٠).
وله شاهد أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٤٠٨٧) عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -.
وشاهد آخر أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» ـ كما في «المطالب العالية» (٤٦٢) و «إتحاف الخيرة» (١٢٤٩) ـ والبرقاني ـ كما في «الجمع بين الصحيحين» للحميدي (٣٠١٧) ـ عن رفاعة بن رافع الأنصاري - رضي الله عنه - موقوفًا عليه. قال ابن حجر في «المطالب»: «هذا حديث صحيح، وهو هنا غير مرفوع، وأظن أن حكمه الرفع». وذكر أن البخاري روى طرفًا منه في «صحيحه»، وأن باقيه على شرطه.

الصفحة 701