ثانيًا: كثرة الفتن والحوادث والسنين الخداعات:
ذكر ابن المحب - رحمه الله - في هذا الباب جملة من الأحاديث والآثار التي تبين إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يقع في آخر الزمان من كثرة للفتن والحوادث، حتى أن الرجل يتمنى أنه في قبر أخيه من شدة ما يرى من الفتن، وانتكاس للفطرة، فمنها:
حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: "سَيَأْتِي - أو لَيَأْتِي - عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَاعَاتٍ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِق، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِن، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِين، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. سُئِلَ رَسُولُ اللهِ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: السَّفِيه يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" (¬٢).
وحديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْمَطَرِ" (¬٣).
وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَأْتِي الرَّجُلُ الْقَبْرَ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّة، يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَكَانَ صَاحِبِهِ" (¬٤).
قال الحافظ العراقي: "ولا يلزم كونه في كل بلد ولا كل زمن ولا في جميع الناس، بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان، وفي تعليق تمنيه بالمرور وإشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحال حالتئذ، إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار لهيئته، فإذا معاهد الموتى ورأى القبور نشز بطبعه ونفر بشجيته من تمنيه، فلقوة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يناقض هذا النهي عن تمني الموت، لأن مقتضى هذا الحديث الإخبار عما يكون وليس فيه تعرض لحكم شرعي" (¬٥).
وقول علي - رضي الله عنه -: "سَتَكُونُ بَعْدِي فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ مُنْكَسِفَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا النُّوَمَة،
_________
(¬١) رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى برقم (٢٠٥)، والقرطبي في جامع بيان العلم وفضله برقم (٢٠٠٨) و (٢٠٠٩).
(¬٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥١٤).
(¬٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٢٩).
(¬٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٢١).
(¬٥) فيض القدير للمناوي (٦/ ٤١٨).