كتاب شرح الأربعين النووية للمناوي حـ 29 - 35

وإمَّا أنَّ المعنى: جعل لكم حواجزَ وزواجَر مُقَدَّرةً تحجزكم عمَّا لا يرضاه (فلا تعتدُوها) أي: لا تُجَاوزوا القدرَ الذي قدَّره الشَّارعُ فلا تزيدوا عليه, ولا تنقصُوا منه، لكنْ للحاكم أنْ يزيدَ لمصلحةٍ خاصَّةٍ، وتكون الزيادة تنكيلًا وزجرًا كما جلدَ عمرُ في الخمر ثمانين (¬1).
(وحرّمَ أشياءَ) أي: منع من قِرْبانها وارتكابها كشهادة الزُّور، وأكلِ مال اليتيم، والرِّبا.
(فلا تنتهكوها) أي: لا ترتكبوها مُقتحمين لها غيرَ مبالين بها.
(وسَكَت عنْ أشياءَ) لم يذكر حكمها (رحمةً بِكم) مفعولٌ لأجله؛ أي: فعل ذلك لأجل رحمته، ورِفقِهِ بكم، وتخفيفه عنكم حال كون ذلك (غيرَ نسيانٍ) للنصِّ على حكمها؛ إذ لا يضلُّ ربِّي ولا يَنْسَى؛ ولهذا تلا المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء (¬2): {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (¬3).
(فلا تبحثوا عنها) أي: فلا تستكشفوا عن أحوالها ولا تسألوا عنها كما قال
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر (6773) ومسلم كتاب الحدود، باب حدّ الخمر (1706) عن أنس رضي الله عنه.
(¬2) هو حديث: (ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حرَّم فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عَفوٌ، فاقبلوا من الله عافيته: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} أخرجه البزَّار في مسنده (10/ 26) والدارقطني في سننه (3/ 59) والطبرانيّ في مسند الشاميين (3/ 209) والحاكم في المستدرك (2/ 406) وعنه البيهقيّ في السنن الكبرى (10/ 21) من طرقٍ عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدّرداء مرفوعًا. وقال الحاكم: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي، وقال البزار: (إسناده صالح). وعاصم بن رجاء، قال الحافظ في التقريب: (3058) (صدوق يهِم). ولذلك قال الهيثميّ في مجمع الزوائد (1/ 171): (وإسناده حسنٌ، ورجاله موثَّقون)، وقوّى هذا الحديث الألبانيّ في الصحيحة (5/ 326).
(¬3) سورة مريم: (64).

الصفحة 128