كتاب شرح الأربعين النووية للمناوي حـ 29 - 35

ومعنى سكوتِهِ تعالى عنها: أنَّه لم يُنْزِلْ (¬1) حكمَهَا لرسوله كما تقرَّر؛ فلم ينطقْ فيه بأمرٍ ولا نهيٍ ولا تحريمٍ ولا تحليلٍ، فيُردُّ حكمُه إلى أصلٍ من أصول الشرع، لا أنَّه -تعالى- سكت عنها حقيقةً لاستحالته عليه -تعالى-؛ إذ الكلام من صفاته النفسيَّة (¬2) القديمة الذاتية التي لا تنفكّ عنه (¬3).
¬_________
(¬1) في (ب): لم يتركْ.
(¬2) في (ب): النفسانيَّة. وفي هامشها: النفسيَّة.
(¬3) قول الشارح رحمه الله: (إذ الكلام من صفاته النفسية ... ) مخالفٌ لمعتقد أهل السنة والجماعة الذين أطبقوا على أن الكلام يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن معًا، وأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال بالكلام النفسيّ يقول أولًا بخلق القرآن، ثم يثبت لله الكلام النفسيَّ لأنه لا بدّ له من إثبات صفة كلامٍ.

وأول من عُرف من أهل القبلة بأنَّه قال بخلق القرآن: الجعد بن درهم (ت 124 هـ) وأخذها عنه الجهم بن صفوان (ت 128 هـ) ثم تلقَّفها بشر المريسي (ت 218 هـ) وهو كان عين الجهميَّة وعالمهم في عصره، كما قال الذهبي في السبر (10/ 200) ثم أخذها عنه أحمد بن أبي دؤاد (ت 240 هـ) وهو الذي أغرى المأمونَ العباسيَّ بالمحنة، وإجبار الناس على القول بخلق القرآن، فافتتن خلقٌ كثير، وثبت إمام أهل السنة أحمد ابن حنبلٍ وجماعة قليلةٌ, وترخَّص آخرون, رحمهم الله أجمعين، فهذه هي بدايةُ إنكار كلام الله تعالى بالحرف، ولكن هل سُبق الجعدُ بهذه المقالة؟ ذكر ابن عساكرٍ وغيره خبرًا مفاده أنّ الجعد أخذ هذا عن بيانِ بن سمعان، عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، عن خاله لبيد -وهو اليهوديّ الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم- وكان يقول بخلق التوراة، انظر: البداية والنهاية (9/ 350) وهذه المسألة من أُمَّهات مسائل الاعتقاد، وقد وقع خلاف الناس فيها قديمًا، حتى ذكر ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- أنَّ أقوال الناس في الكلام بلغت تسعة، انظر: شرح العقيدة الطحاوية (1/ 172) وقد أُفردت فيها المصنفات والمؤلفات، من أشهرها: الحيدة في الرد على المريسي للكناني (240 هـ) والرد على الجهميَّة والزنادقة للإمام أحمد (241 هـ) والرد على الجهميَّة لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ) ورسالة أبي نصر السجزي (444 هـ) المسمَّاة بـ (رسالة إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت)، ورسالتا ابن قدامة -رحمه الله- (620 هـ) حكاية المناظرة في القرآن مع =

الصفحة 130