كتاب شرح الأربعين النووية للمناوي حـ 29 - 35

النَّاس يوم القيامة في الدِّماء»؛ (¬1) - لأنَّ الخُصوماتِ فِيْ الأموالِ أَكْثرُ، وامتدادَ الأيديْ إليها أعَمُّ، ولهذا ترى الإنسان يَسرِقُ ويَغصِبُ ويَنهَبُ في عُمُرِه ألفَ مرَّةٍ، ولعلَّهُ لا يقتل أحَدًا، وإن قتل فواحدًا أوِ اثنينِ.
«لكِن» هي هُنا -وإن لم تأت لفظًا على قانونها من وقوعِها بين نفيٍ وإثباتٍ حتَّى يصحَّ معنَى الاستدراك الذي هو مُؤدَّاها-: جاريةٌ عليه تقديرًا، فهو استدراكٌ معنوِيٌّ (¬2)، أي: لا يُعطَونَ بِدَعواهم بِلا بيِّنةٍ، لكنْ بالبيِّنة.
و«البيِّنةُ عَلى المُدَّعِيْ» لِضَعْفِ جانبه بدعْواه خِلافَ الأصْلِ، فجعلت البيِّنةُ لكونها حجَّةً قويَّةً (¬3) لبُعدِها عن التُّهمة في جانبه تقويةً له، والمدَّعِيْ: مَن يذكر أمرًا خفيًّا يخالف الظَّاهرَ (¬4)، والمدَّعَى عليه: عكسُه (¬5).
«واليمينُ على منْ أَنْكَرَ» لقوَّة جانبه لموافقته الأصل، وهو براءةُ ذمته، فجُعِلَت اليمينُ
¬_________
(¬1) أخرجه البخاريُّ في كتاب الديات، باب، (9/ 2، ح 6864). ومسلمٌ في كتاب القسامة، باب المجازاة بالدماء في الآخرة، (3/ 1304، ح 1678).
(¬2) انظر: التعيين للطوفي (285)، ومغني اللبيب (ص 358)، وفتح القريب المجيب (1/ 530).
(¬3) انظر فائدةً مهمة في تعريف البيِّنة وما حصل للمتأخِّرين من أغلاطٍ في فهمها: أعلام الموقِّعين (1/ 194) -الذي (لم يؤلَّف مثلُه في حكمة التشريع، ومسائل الاجتهاد والتقليد) قاله محمد رشيد رضا في مجلَّة المنار 12 (1909) -وخلاصة كلام ابن القيِّم: أنَّ (البينة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسمٌ لكل ما يبيِّن الحق، فهي أعمُّ من البينة في اصطلاح الفقهاء، حيث خصُّوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين، ولا حَجْرَ في الاصطلاح ما لم يتضمَّن حَمْلَ كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص، وحملها على غير مراد المتكلم منها، وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاطٌ شديدة في فهم النصوص).
(¬4) وقصدهم بالظَّاهر هو: براءة الذمة. مغني المحتاج (6/ 446).
(¬5) هذا الضابط عند الشافعية؛ والشارحُ شافعيٌّ فاكتفى بتعريفهم، ولهم ضابطٌ آخرُ فيه، فقالو: المدَّعِيْ: من لو سكتَ خُلِّيَ ولم يطالَبْ بشيءٍ، والمدَّعَى عليه: مَنْ لا يخلَّى ولا يكفيه السُّكوتُ. انظر: مغني المحتاج (6/ 446)، وكِفاية الأخيار في حلِّ غاية الِاختصار (570).

الصفحة 165