كتاب شرح الأربعين النووية للمناوي حـ 29 - 35

قال ابن الدّهَّان (¬1): (ولا يُخْتَار: (سمعت زيدًا قائلًا) إلا أن يعلِّقه بشيء آخر؛ لأنَّ (قائلًا) موضوعٌ للذات، والذات غير موضوعةٍ للسمع) (¬2).
(مَنْ رَأَى) أي: علِمَ فهي عِلْميَّة، ويصحُّ كونُها بصريَّةً، وقِيْسَ ما علِمَهُ على ما رآه (مِنْكُمْ) معشر المكلَّفين القادرين، فهو خطابٌ لجميع الأُمَّةِ الذين يمكنهم ذلك, الحاضرُ بالمشافهة، والغائبُ تبعًا، أخرج بذلك نحوَ: الصبيِّ والمجنونِ والعاجزِ.
(مُنْكَرًا) أي: شيئًا قبيحًا قبَّحه الشرعُ قولًا أو فعلًا ولو صغيرةً, خلافًا لما يوهمه كلام الإمام (¬3)، (فليُغَيِّره) أي: يُزلْه ويبدِّلْه بغيره وجوبًا بالشرع لا بالعقل، -خلافًا للمعتزلة (¬4)
- على الكفاية (¬5) إن عَلِمَ بِهِ أَكْثرُ مِنْ واحِدٍ، وإلّا فعينًا {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ
¬_________
(¬1) سعيد بن المبارك بن علي المعروف بابن الدَّهَّان البغدادي، من شيوخه: أحمد بن الحسن بن البنَّاء، ومن مؤلفاته: شرح الإيضاح والتكملة، والأضداد، وكان واسع العلم بالعربية، حتى نعت بسيبويه عصره، وكان يعدّ من نحاة بغداد الأربعة وهم: ابنُ الجواليقيِّ، وابنُ الشجريِّ، وابنُ الخشَّاب، وابن الدَّهَّان، توفي سنة (569 هـ). وقد عَمِيَ في آخر عُمُرِه بسبب قصَّةٍ عجيبةٍ ذكرها القِفطيُّ في إنباه الرواة, انظر: إنباه الرواة (2/ 51) وسير أعلام النبلاء (22/ 39) وبغية الوعاة (2/ 389).
(¬2) لم أقف على كلامه؛ ولعلَّه في كتابه: (شرح الإيضاح والتكملة) - شرحان على كتابين لأبي عليٍّ الفارسي- ذكره القفطيُّ وياقوتُ وغيرهما، وذكروا أنَّه في ثلاثةٍ وأربعين مجلَّدًا، انظر: إنباه الرواة (2/ 50)، ومعجم الأدباء (3/ 1371).
(¬3) هو إمام الحرمين أبو المعالي الجوينيُّ رحمه الله -وتقدَّمت ترجمته في ص (171 - 172) - ونصُّ كلامه - في: الإرشاد إلى قواطع الأدلَّة ص (369 - 370): ) ويسوغُ لآحادِ الرعيَّة أن يصدَّ مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله؛ ما لم ينتهِ الأمر إلى نصبِ قتالٍ, وشهرِ سلاحٍ, فإن انتهى الأمر إلى ذلك رُبطَ الأمر بالسلطان).
(¬4) هذا الذي قاله المصنِّفُ هو الحقُّ, وخلافُ أهلِ السُّنَّة والأشاعرة من جهةٍ, والمعتزلة من جهة أخرى في هذه المسألة مشهورٌ في علمِ أصول الفقه باسم: (التَّحسين والتَّقبيح العقليَّين) , وذكر هذه المسألةَ الأصوليّونَ لارتباطها بمبحث الحكم التكليفيِّ؛ إذ إنَّ من قال بالتحسين والتقبيح بإطلاقٍ رتَّب على ذلك الإيجاب والتحريم والندب والكراهة كما يأتي. =

الصفحة 176