لا على إنكاره مع التلبُّس بفعله بشهادة الحديث المتقدِّم.
وعلى الإمام نصبُ محتسِبٍ (¬1) يأمرُ وينهى وإن لم يختصَّ بذلك به.
(فإن لم يستطع) الإنكارَ بلسانه لوجود مانعٍ كخوف فتنةٍ، وشَهْرِ سلاحٍ، أو خوفٍ على نفسٍ أو عضوٍ أو مالٍ محترمٍ أو نحو ذلك (فبقلبه) ينكرُهُ وجوبًا بأن يكرهه به، / [130/أ] ويعْزِم أنَّه لو قدر بقولٍ أو فعلٍ فَعلَ، وهذا واجبٌ عينًا على كلِّ أحدٍ بخلاف الّلَذَين قبله، وذلك لأنَّهُ يجب على الإنسان كراهة ما يكرهه الله من المعاصي، والأعمال بالنيَّات، وهذا تدرُّجٌ في تغييره بحسَبِ الاستطاعة الأبلغ فالأبلغ، كما في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم لعمرانَ بنِ حُصَينٍ: (صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ) (¬2).
وعكسُهُ قول الفقهاء في دفع الصَّائل (¬3): يُتنزَّل من الكلام، إلى العصا، إلى السَّيف، الأسهل فالأسهل (¬4).
وأفاد الحديثُ: وجوبَ تغيير المنكر بكلِّ طريقٍ ممكنٍ، وأنَّه لا يكتفي بالوعظ لمن أمكنه
¬_________
(¬1) احتسب فلانٌ عليه: أنكَر عليه قبيح عمله، ومنه المحتسب. انظر: تاج العروس (2/ 278).
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه، في أبواب تقصير الصلاة، بابٌ إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنبٍ (2/ 48) عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قائمًا ... ».
(¬3) قال ابن فارسٍ في مقاييس اللغة (3/ 322): (الصاد والواو واللام أصلٌ صحيحٌ، يدلّ على قهرٍ وعلوٍّ، يقال: صال عليه يصول صولةً، إذا استطال). وحكى الزبيديّ في تاج العروس (29/ 338) أنَّ مضارعها يأتي أيضًا على (يصيل) وإن أهمله الجوهريّ في الصحاح.
(¬4) انظر: حاشية ابن عابدين (1/ 637)، ومنح الجليل لمحمد عليش (9/ 368)، وروضة الطالبين للنووي (10/ 187)، والكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة (4/ 112).