كتاب شرح الأربعين النووية للمناوي حـ 29 - 35

الحديث الخامس والثلاثون
(عن أبي هريرة قال صلَّى الله عليه وسلَّم: لا تحاسدوا) خطابٌ لكلّ من يتأتَّى توجيْهُ (¬1) الخطاب إليه، أي: لا يحْسُدْ بعضكم بعضًا؛ فإنَّ الحَسَدَ حرامٌ شديدُ التَّحريمِ، وأصله: (تتحاسدوا)، حُذِفتْ (¬2) إحدى التاءين تخفيفًا (¬3).
وقد تطابقتِ المللُ، وتوافقَتِ النِّحلُ على ذمِّ الحسد وقُبحِه، وهو كما قال / [131/أ] الحَرالِّي: قلق النفس من رؤية النِّعمة على الغير (¬4)، وقال غيره: تمنِّي زوالِ نعمة المحسود (¬5)، وزاد الشارح الهيتميُّ: وعودِها إليك (¬6) (¬7)، وهي زيادةٌ مُضِرَّة، كيف وقضيته: أنَّه لو تمنَّى زوالَ نعمة الغيرِ (¬8) ولم يتَمَنَّ مع ذلك انتقالها إليه لا يكون مذمومًا، وهو باطلٌ، فلو اقتصر على ما ذكروه كان صوابًا.
¬_________
(¬1) في (ب): توجُّه.
(¬2) في الأصل: (وأحذفت).
(¬3) وهذا الحذف لإحدى التاءين كثيرٌ في القرآن، منه قول الله: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} أي: تتنزَّل، وعلَّة الحذف: لأنَّه لما اجتمع المثلان ثقُل عليهم اجتماع المثلين، ولم يكن سبيلٌ إلى الادغام، فحذفوا إحدى التَّاءين جوازًا, انظر: شرح المفصَّل لابن يعيش (5/ 558) وهل المحذوف هي التَّاء الأولى -وهي تاء المضارعة-، كما يقول بعض الكوفيين، أو التاء الثانية كما هو مذهب سيبويه والبصريين؟ فيها خلافٌ تجده في الكتب المطوَّلة، انظر: الكتاب لسيبويه (4/ 476)، وشرح الكتاب للسيرافي (5/ 449)، وشرح الأُشموني على الألفيَّة (4/ 160).
(¬4) ورد في نظم الدرر للبِقاعي (2/ 104) دون نسبةٍ إلى الحرَّاليِّ, وهو مغرمٌ بالنقل عن الحرَّاليِّ, فقد نقل عنه في (نظم الدرر) باسمه أكثر من ثمان مئةِ موضعٍ.
(¬5) انظر: إكمال المعلم (3/ 185)، والإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 44)، شرح النووي على مسلم (6/ 97).
(¬6) في (ب): إليه.
(¬7) الفتح المبين (551).
(¬8) في (ب): (لو تمنَّى زوال نعمة المحسود الغير).

الصفحة 190