كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب (اسم الجزء: 2)

ولقد كان نجمنا واحدا، وكلّ منا مشغول، بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلّا ويتبعه صاحبه، وبقي حزينا.
وقال: أطفأ موت الفرزدق جمرتي، وأسال عبرتي، وقرب منيّتي، فعاش بعده أربعين يوما، وقيل: ثمانين، وقد قارب المائة.
وأما الفرزدق فهو أبو فراس [1] همّام بن غالب التميميّ المجاشعيّ من سراة قومه، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس، تبارى أبوه غالب هو وسحيم بن وثيل الرّياحي، نحر مائة ناقة ثنتين ثنتين، ثم ثلاثا ثلاثا، وفي اليوم الرابع نحر غالب مائة، ولم يكن عند سحيم هذا القدر، فعجز، ولما انتهت، وانقضت المجاعة، وزال الضّر، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدّهر! لو نحرت مثله أعطيناك مكان كل ناقة ناقتين، فنحر ثلاثمائة، وقال للناس: شأنكم والأكل، فنهى عليّ- كرم الله وجهه- عن أكلها، فألقيت على كناسة [2] الكوفة، وفي ذلك يقول جرير في هجو الفرزدق:
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى هلّا الكميّ المقنّعا [3]
يقول: هلا افتخرتم بالشجاعة.
__________
[1] في الأصل، والمطبوع، و «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 265) : «أبو الأخطل» وهو خطأ، وفي باقي المصادر التي بين يدي: «أبو فراس» وهو ما أثبته. انظر «وفيات الأعيان» (6/ 86) ، و «سير أعلام النبلاء» (4/ 590) ، و «الفرزدق» دراسة للأستاذ الدكتور شاكر الفحام- حفظه الله- ص (116) ط دار الفكر بدمشق، وكلام المؤلف رحمه الله عن الحوار بين الشامي والفرزدق في الصفحة التالية.
[2] في الأصل: «نحاسة» وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع، وهو موافق لما في «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 265) الذي ينقل عنه المؤلف.
والكناسة: القمامة. انظر «مختار الصحاح» ص (581) .
[3] حصل بعض التحريف في البيت في الأصل، والمطبوع، وقد أثبت ما جاء في «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 266) ، وهو موافق للفظ البيت في «شرح ديوان جرير» ص (338) .

الصفحة 58