كتاب شعب الإيمان للبيهقي - العلمية (اسم الجزء: 1)

فصل ـ و إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة فإن المحاسبة لتقرير الأعمال و الوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها قال الله عز و جل : { و نضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا } و قال : { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } و قال : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } إلى قوله : { وهم فيها كالحون } و قال : { فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية } آخر السورة و قد ورد ذكر الميزان في حديث الإيمان فالإيمان به كالإيمان بالبعث و بالجنة و بالنار و سائر ما ذكر معه
278 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الله المنادي ثنا يونس بن محمد ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن الإيمان قال :
الإيمان أن تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و تؤمن بالجنة و النار و الميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت و تؤمن بالقدر خيره و شره قال : يعني السائل إذا فعلت هذا فأنا مؤمن ؟ قال نعم قال : صدقت
قال البيهقي رحمه الله في الآية التي كتبناها دلالة على أن أعمال الكفار توزن لأنه قال في آية أخرى :
{ بما كانوا بآياتنا يظلمون }
و الظلم بآيات الله الاستهزاء بها و ترك الإذعان لها و قال في آية : { في جهنم خالدون } إلى أن قال : { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون }
و قال في آية :
{ فأمه هاوية * وما أدراك ما هيه * نار حامية }
و هذا الوعيد بالإطلاق لا يكون إلا للكفار فإذا جمع بينه و بين قوله :
{ و إن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها }
ثبت أن الكفار يسألون عن كل ما خالفوا به الحق من أصل الدين و فروعه إذا لو لم يسألوا عما وافقوا فيه أصل تدينهم من ضروب تعاطيهم و لم يحاسبوا بها لم يعتد بها في الوزن أيضا و إذا كانت موزونة في وقت الوزن دل ذلك على أنهم يحاسبون بها في موقف الحساب و الله أعلم
و هذا على قول من قال في الكفار أنهم مخاطبون بالشرائع و هو الصحيح لأن الله عز و جل يقول :
{ وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة }
فتوعدهم على منع الزكوة و أخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم :
{ ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين }
فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث و بإقام الصلاة و إيتاء الزكاة و أنهم مسؤولون عنها مخاطبون بها مجزون على ما أخلوا به منها و الله أعلم
و اختلفوا في كيفية الوزن فذهب ذاهبون إلى أن الكافر قد يكون منه صلة الأرحام و مواساة الناس و رحمة الضعيف و إغاثة اللهفان و الدفع عن المظلوم و عتق المملوك ونحوها مما لو كانت من المسلم لكانت برا و طاعة فمن كان له أمثال هذه الخيرات من الكفار فإنها تجمع و توضع في ميزانه لأن الله تعالى قال :
{ فلا تظلم نفس شيئا }
فتأخذ من ميزانه شيئا غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها و قد حرم الله الجنة على الكفار فجزاء خيراته أن يخفف عنه العذاب فيعذب عذابا دون كفار كأنه لم يصنع شيئا من هذه الخيرات و من قال بهذا احتج بما

الصفحة 257