كتاب شعب الإيمان للبيهقي - العلمية (اسم الجزء: 1)

297 - أخبرناه أبو علي الحسين بن محمد الروذباري أنا محمد بن بكر ثنا أبو داود حدثنا أحمد بن يونس ثنا أبو شهاب عن سليمان التيمي عن أبي مجلز لاحق بن حميد : فذكره
و قد روي هذا عن النبي صلى الله عليه و سلم و لم يثبت إسناده
قال البيهقي رحمه الله و بلغني عن أبي سليمان الخطابي البستي رحمه الله أنه قال : القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة و ما تقدم نزوله و ما تأخر في وجوب العمل به سواء ما لم يقع بن الأول و الآخر منافاة و لو جمع بين قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } و بين قوله : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } و ألحق به قوله : { لمن يشاء } لم يكن متناقضا فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلها ما عدا الشرك
و أيضا فإن قوله : { فجزاؤه جهنم } يحتمل أن يكون معناه { فجزاؤه جهنم } إن جازاه الله و لم يعف عنه فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخلف و الآية الأخرى وعد يرجى فيه العفو و الله أعلم
298 - أخبرنا أبو سعد الماليني أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال : سمعت عمر بن محمد الوكيل يقول : حدثني معاذ بن المثنى ثنا سوار بن عبد الله ثنا الأصمعي قال : جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن أبي العلاء فقال له :
يا أبا عمرو ! الله يخلف وعده ؟ قال : لن يخلف الله وعده قال عمرو : فقد قال : قال أين ؟ فذكر آية وعيد لم يحفظها عمرو فقال أبو عمرو : من العجمة أتيت و الوعد غير الإيعاد ثم أنشد أبو عمرو :
( و إني و إن أوعدته أو وعدته سأخلف إيعادي و أنجز موعدي )
قال البيهقي رحمه الله فإن قيل : فقد قال الله سبحانه :
{ و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها }
قيل هكذا نقول الحدود اسم جمع و إنما يصير متعديا لحدود الله تعالى اجمع بترك الإيمان و تارك الإيمان يخلد في النار
فإن قيل : قد قال :
{ وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين }
قيل : و قد قال :
{ إن الأبرار لفي نعيم }
و الفاسق المؤمن بر بإيمانه
فإن قيل ليس برا مطلقا
فإن قيل : فجوره أحبط إيمانه
قيل : لي الفصل بين هذا قول و بين من يقول من المرجئة أن إيمانه أحبط فجوره فدل أنه أراد بالفجار الذين قابل بنيهم وبين الأبرار الكفار لأن رأس البر الإيمان و كذلك رأس الفجور الكفر و الذي يدل على صحة ما ذهبنا إلى قوله الله عز و جل :
{ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا }
و قوله : { لا أضيع عمل عامل منكم }
و قوله : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه أجرا عظيما }
و قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره }
و قوله : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا }
و قوله : { فالذين آمنوا منكم و أنفقوا لهم أجر كبير }
و قوله : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات }
و قوله : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان }
فهذه الآيات و ما ورد منها في معناها كلها تدل على أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا و أحسن إلأعمال الإيمان بالله و برسوله
و من قال : بتخليد المؤمن في النار كان قد أضاع أجر عمله و لم يجعل له عوضا و لأنا وجدنا الله عز و جل وعد على الطاعات ثوابا و على المعاصي عقابا فليس لأحد أن يقول يرى ما عمل من المعاصي دون ما عمل من الطاعات و قد عملها جميعا إلا و لآخر أن يعكس ذلك فلا يجد القائل بذلك فضلا و أنا قد جمعنا على حصول طاعاته و اختلفنا في زوال حكمها فلا يرفع حكم ما تيقناه من حصول الطاعات بمعصية لا تنفيها و لا تضادها
و احتجوا في إبطال الشفاعة بقوله عز و جل :
{ ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع }
فالظالمون ها هنا هم الكافرون و يشهد لذلك مفتتح الآية إذا هي في ذكر الكافرين فإن احتجوا بقوله : { و لا يشفعون إلا لمن ارتضى }
قيل : هذا دليلنا لأن الفاسق مرتضى بإيمانه قال الله عز و جل :
{ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا }
واصطفينا و ارتضينا واحد في اللسان ثم قال : { فمنهم ظالم لنفسه } أي من المصطفين ظالم لنفسه و الظلم هو الفسق فأخبر أن فيهم ظالما و قال في قصة يونس { إني كنت من الظالمين }
و قد روينا من أوجه عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } قال : كلهم في الجنة و هو في الجزء السابع من كتاب البعث مذكور بشواهده
و قيل معناه :
{ إلا من ارتضى } أن يشفعوا له كما قال : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه }
قال الحليمي رحمه الله : و لا تحتمل الآية غير لأن المرتضين عند الله لا يحتاجون إلى شفاعة ملك و لا نبي فصح أن المعنى ما قلناه و لا يجوز أن يقال إن عز و جل لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأن المذنب الذين يحتاج إلى الشفاعة فكلما كان ذنبه أكبر كان إلى الشفاعة أحوج فكيف يجوز أن يكون اشتداد حاجته إلى الشفاعة حائلا بينه و بين الشفاعة ؟ و ليس امتناع الشفاعة للكافرين لأن ذنبه كبير و لكنه بجحده الباري المشفوع إليه أو الرسول الشافع له أو لأن الله تعالى أخبر أنه لا يشفع فيه أحدا و هذه المعاني كلها معدومة في صاحب الكبيرة من أهل القبلة
وقوله : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } لا يدفع الشفاعة لأن المراد بالملك الدفع بالقوة و إنما الشفاعة تذلل من الشافع للمشفوع عنده و إقامة الشفيع بذلك من المشفوع له فلا يوم أليق به و أشبه بأحواله بيوم الدين
و قد ورد عن سيدنا المصطفي صلى الله عليه و سلم في إثبات الشفاعة و إخراج قوم من أهل التوحيد من النار و إدخالهم في الجنة أخبار صحيحة قد صارت من الاستفاضة و الشهرة بحيث قاربت الأخبار المتواترة و كذلك في مغفرة الله تبارك و تعالى جماعة من أهل الكبائر دون الشرك من غير تعذيب فضلا منه و رحمة و الله واسع كريم
قال البيهقي رحمه الله : و قد ذكرنا هذه الأخبار في كتاب البعث و النشور و نحن نشير ها هنا إلى طرف منها قال عز و جل لمحمد صلى الله عليه و سلم : { و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }
و رويان في الحديث الثابت عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله ما دل على أن ذلك في الشفاعة و كذلك عن حذيفة بن اليمان و ابن عمر و غيرهم

الصفحة 277