السادس عشر من شعب الإيمان و هو باب في شح المرء بدينه ـ حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر ـ و ذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما
1623 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا وهب بن جرير و بشر بن عمر قالا ثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله و رسوله أحب إليه مما سواهما و من كان يحب المرء لا يحبه إلا الله و من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه
أخرجاه في الصحيح من حديث شعبة بن الحجاج
1624 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بالويه ح و أخبرنا : أبو الحسين بن الفضل القطان ثنا أبو سهل بن زياد قالا ثنا إسحاق بن الحسن الحربي ثنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله و رسوله أحب إليه مما سواهما و الرجل يحب الرجل لا يحبه إلا الله و الرجل أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا
أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن حماد
قال البيهقي رحمه الله :
فأبان صلى الله عليه و سلم بهذا الخبر أن الشح بالدين من الإيمان لأن ذكر الحلاوة مثل الإيمان و أراد أن الشحيح بدينه كالمتطعم بالشيء الحلو فكما أن الراغب في الإيمان لا يسلم له مقصوده منه إلا و أن يكون شحيحا به فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت بما يفسده عليه كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه
و الله أعلم
و يدخل في هذا الباب ما اقتصه الله سبحانه و تعالى علينا من خبر شعيب النبي عليه السلام إذ قال له قومه :
لنخرجك يا شعيب و الذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا
فقال لهم :
{ أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } إلى آخر الآية
فإن في هذا الباب عدة معان مرجعها كلها إلى الشح بالدين
أحدها : أن شعيبا عليه السلام سمى مهانته المستكبرين من قومه نجاة و قد علم أن ضد النجاة الهلكة و من كان عنده أن الكفر هلكة و الإيمان نجاة لم يكن إلا شحيحا على دينه
و الثاني : أنه أشار بقوله : على الله توكلنا إلا أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى فإن عصمه من الجلاء عن الوطن فذلك فضله
و إن جلاءهم و ما يهمون به من إخراجهم بالجلاء أحب إليه من مفارقة الدين و هذا من الشح بالدين لأن الله تعالى جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل
و الثالث : أن شعيبا عليه السلام فرغ إلى الله و استنصره و دعاه كما يدعو في الشدائد إذا عرضت له و الخطوب إذا نزلت فقال :
{ ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق }
استعظاما منه لما كان يخاطب به و تأملا أن يدافع الله عنه أذية الكفار فلا يسمعوه في دينه ما يشق عليه سماعه و هذا أيضا من الشح بالدين و معلوم أن الله تعالى يقيض علينا هذا و مثله لتتأدب بآداب الذين يصف لنا سيرهم ثم يمنعها و بيان مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يدعها و يتبع الأحسن من الوجهين دون الأقبح منها لذا قال عز و جل :
{ فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }
فصح أن الشح بالدين من أركان الدين لا يجد حلاوة الدين من لا يجد الشح به في قلبه
و الله أعلم
و هذا هو الأمر الذي يشهد العقل بصحته لأن من اعتقد دينا ثم لم يكن في نهاية الشح به و الإشفاق عليه كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره و لا بين موضع الحظ لنفسه فيه و من كان الحق عنده حقيرا لم يسكن الحق قلبه و بالله العصمة
ثم إن الشح بالدين ينقسم قسمين :
أحدهما : الشح بأصله كيلا يذهب
و الآخر : الشح بكماله كيلا ينقص ألا ترى أن الله تعالى كما مدح شعيبا عليه السلام و أثنى عليه بأنه شح على دينه فلم يفارقه مع استكراه قومه إياه على مفارقته و كذلك قد مدح يوسف عليه السلام بأن استعصم حين راودته امرأة العزيز عن نفسه و قال :
{ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه }
فبان أن الشح على شعب الإيمان كيلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب و هذا سبيل كل مفتون به لأن الشحيح بماله كما شح بجماعته فشح بابعاضه الشحيح بنفسه يشح بأطرافه كما يشح بحمله مدة و هكذا الدين و بالله التوفيق
و من الشح على الدين أن المؤمن إذا كان بين قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم و يخشى أن يفتنوه عن دينه و كان إذا قاربهم يجد لنفسه مأمنا يتبوأه و يكون فيه أحسن حالا من بين هؤلاء لم يقم بين ظهرانيهم و هاجر إلى حيث يعلم أنه خير له و أوفق قال الله تعالى :
{ و من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله }
و على هذا الوجه كانت هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من ديار الكفار و ليلقوه و يصحبوه و يهاجروا معه ثم هذا الحكم فيمن لم يمكنه اظهار دينه في موضعه باق بعده و قد تكلمنا على هذه المسألة في كتاب السير من كتاب السنن
و روينا في كتاب دلائل النبوة ما قاسى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشدائد و المكاره لمحاورة الكفار حتى أمروا بالهجرة إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة و الله تعالى يوفقنا لمتابعة سلفنا فنعم السلف كانوا لنا رضي الله عنهم
1625 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنا يعلى بن عبيد ثنا الأعمش عن أبي مسلم عن أبي الضحى عن مسروق عن خباب : كنت رجلا قينا و كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال و الله لأقضيك حتى تكفر بمحمد قال : قلت و الله لا أكفر به أبدا حتى تموت ثم تبعث قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني و لي ثم مالا و ولدا فأعطيتك فأنزل الله عز و جل :
{ أفرأيت الذي كفر بآياتنا و قال لأوتين مالا و ولدا }
أخرجاه في الصحيح من وجه آخر عن الأعمش