كتاب شعب الإيمان للبيهقي - العلمية (اسم الجزء: 2)

السابع عشر من شعب الأيمان و هو باب في طلب العلم ـ و العلم إذا أطلق علم الدين و هو ينقسم أقساما : فمنها : علم الأصل و هو معرفة البارئ جل ثناؤه و قد تقدم القول فيها و منها : معرفة ما جاء عن الله عز و جل و دخل في هذا علم النبوة و ما تميز به النبي صلى الله عليه و سلم عن النبيين و علم أحكام الله و أقضيته و منها : معرفة ما يطلب علم الأحكام فيه و هو الكتاب و السنة نصوصها و معانيها و تمييز مراتب النصوص و الناسخ و المنسوخ و الاجتهاد في إدراك المعاني و تمييز وجوه القياس و شروطه و معرفة أقاويل السلف من الصحابة و التابعين و من دونهم و تمييز الاجتماع و الاختلاف و منها : معرفة ما به يمكن طلب الأحكام في الكتاب و السنة و هو العلم بلسان العرب و عاداتها في مخاطباتها و تمييز مراتب الأخبار لينزل كل خبر منزلته و يوفي بحسبها حقه ثم ساق الكلام في البيان قال : و ينبغي لمن أراد طلب العلم و لم يكن من أهل لسان العرب أن يتعلم اللسان أولا و يتدرب فيه ثم يطلب علم القرآن الكريم فلن تتضح له معاني القرآن إلا بالآثار و السنن و لا معاني السنن و الآثار إلا بأخبار الصحابة و لا أخبار الصحابة إلا بما جاء عن التابعين فإن علم الدين هكذا أدى إلينا فمن أراده فليتدرج إليه بدرجة فيكون قد أتى الأمر من بابه و قصده من وجهه فإذا بلغه الله درجة المجتهدين فلينظر في أقاويل المختلفين و ليختر منها ما يراه أرجح و أقوم و ليقس ما يحدث و ينوب على أشبه الأصول و أولاها به
1658 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي رحمه الله قال : العلم علمان : علم عامة لا يسع العاجز مغلوب على عقله جهله مثل أن الصلوات خمس و أن الله فرض على الناس صوم شهر رمضان و حج البيت إن استطاعوا و زكاة في أموالهم و أنه حرم عليهم الزنا و القتل و السرقة و الخمر و ما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يفعلوه و يعلموه و يعظموه من أنفسهم و أموالهم و أن يكفوا عنه مما حرم عليهم منه و هذا صنف من علم موجود نصا في كتاب الله عز و جل أو موجودا عاما عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا ينازعون في حكايته و لا وجوبه عليهم هذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر و لا التأويل و لا يجوز فيه التنازع
و الوجه الثاني : ما ينوب العباد من فروع الفرائض و ما يخص من الأحكام و غيرهما مما ليس فيه كتاب و لا في أكثره نص سنة و إن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة و ما كان منه محتمل التأويل و يستدرك قياسا و هذه درجة من العلم ليس يبلغها العامة و لم يكلفها كل الخاصة و لا يحتمل بلوغها من الخاصة و لا يسعهم كلهم كافة أن يعطلوها و إذا قام بها من خاصيتهم من فيه الكفاءة لم يخرج غيره ممن تركها إن شاء الله تعالى و الفضل فيها لمن قام بها على من عطلها و احتج بقول الله عز و جل :
{ و ما كان المؤمنون لينفروا كافة }
و جعل الشافعي رضي الله عنه مثال ذلك الجهاد في سبيل الله عز و جل و الصلاة على الجنازة و دفن الموتى و رد السلام

الصفحة 251