كتاب شرح السنة للبغوي (اسم الجزء: 1)

وَعَلَى هَذَا مَضَى سَلَفُ الأُمَّةِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ، تَلَقَّوْهَا جَمِيعًا بِالإِيمَانِ وَالْقَبُولِ، وَتَجَنَّبُوا فِيهَا عَنِ التَّمْثِيلِ وَالتَّأْوِيلِ، وَوَكَلُوا الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمرَان: 7].
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ، وَالسُّكُوتَ عَلَيْهِ، لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرُسُلُهُ.
وَسَأَلَ رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلا ضَالًّا، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُخْرَجَ مِنَ الْمَجْلِسِ.
وقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَأَلْتُ الأَوْزَاعِيَّ، وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ وَالرُّؤْيَةِ، فَقَالَ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قَدَمُ الإِسْلامِ لَا تَثْبُتُ إِلا عَلَى قَنْطَرَةِ التَّسْلِيمِ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [الْبَقَرَة: 29] ارْتَفَعَ فَسَوَّى خَلْقَهُنَّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {اسْتَوَى} [الْبَقَرَة: 29]: عَلا عَلَى الْعَرْشِ.

الصفحة 171

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text