كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 11)

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال، كما قال: "فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل، واحتياجه، كما قال موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول، كقول ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، وقد يكون بمجرد الثناء على السؤول، كقول الشاعر [من الطويل]:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حِبَاؤُكَ إن شِيمَتَكَ الْحِبَاءُ
إذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمَا ... كفَاهُ مِنْ تَعَرُّضكَ الثَّنَاءُ
والهداية ها هنا الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها، كما هنا، وقد تعدى بـ"إلى"، كقوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 121]، وقد تعدى باللام، كقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43].
وأما الصراط المستقيم، فقال أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن

الصفحة 484