كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 15)

فإن قلت: هذا مُتَّجِه إذا لم يُعَد العامل، فإما إذا أُعيد العامل حَسُن ذلك، تقول: سَلِّمْ على زيد، وعلى عمرو إذا لقيته لم يمتنع أن يختصّ ذلك بعمرو، وهنا قد أعيد العامل في قوله: "وعلى آل محمد".
قيل: هذا المثال ليس بمطابق لمسألة الصلاة، وإنما المطابق أن تقول: سلِّمْ على زيد، وعلى عمرو كما تسلِّم على المؤمنين، ونحو ذلك، وحينئذ فادعاء أن التشبيه لسلامه على عمرو وحده دون زيد دعوى باطلة.
وقالت طائفة أخرى: لا يلزم أن يكون المشبّه به أعلى من المشبّه، بل يجوز أن يكونا متماثلين، وأن يكون المشبّه أعلى من المشبّه به.
قال هؤلاء: والنبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل من إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجوه غير الصلاة، وإن كانا متساويين في الصلاة، قالوا: والدليل على أن المشبّه قد يكون أفضل من المشبّه به قول الشاعر: [من الطويل]
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ
وهذا القول أيضاً ضعيف من وجوه:
(أحدها): أن هذا خلاف المعلوم من قاعدة تشبيه الشيء بالشيء، فإن العرب لا تشبِّهُ الشيء إلا بما هو فوقه.
(الثاني): أن الصلاة من الله تعالى من أجلّ المراتب وأعلاها، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل الخلق، فلابدّ أن تكون الصلاة الحاصلة له أفضل من كلّ صلاة تحصُل لكلّ مخلوق، فلا يكون غيره مساوياً له فيها.
(الثالث): أن الله سبحانه أمر فيها (¬1) بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلّون عليه، وأمر بالصلاة والسلام عليه، وأكّده بالتسليم، وهذا الخبر والأمر لم يثبتهما في القرآن لغيره من المخلوقين.
(الرابع): أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله وملائكته يصلّون على معلّم الناس الخير" (¬2) وهذا لأن بتعليمهم الخير قد أنقذوهم من شر الدنيا والآخرة، وتسببوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم، وذلك سبب دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي عليهم الله
¬__________
(¬1) هكذا نسخة "جلاء الأفهام" "أمر فيها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر بالصلاة والسلام عليه إلخ". ولعل صواب العبارة: "أمر بها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر بالسلام عليه وأكدَّه بالتسليم. فليُتَأَمَّل.
(¬2) حديث حسن أخرجه الترمذيّ من حديث أبي أمامة، وله شاهد من حديث جابر -رضي الله عنه- عند الطبراني في "الأوسط" انظر "مجمع الزوائد" جـ 1 ص 124 - 125.

الصفحة 136