كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 15)

بانضمامها إلى صلاة لم تطلب، ولا ريب في فساد ذلك، فإن الصلاة التي تَطلُبُها الأمة له من ربّه هي أجلّ صلاة وأفضلها.
وقالت طائفة أخرى: التشبيه المذكور إنما هو في أصل الصلاة، لا في قدرها، ولا في كيفيّتها، فالمسؤول إنما هو راجع إلى الهيئة، لا إلى قدر الموهوب، وهذا كما تقول للرجل: أحسن إلى ابنك، كما أحسنت إلى فلان، وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان، وإنما تريد به أصل الإحسان، وقد يحتجّ لذلك بقوله تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77] ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان، لا قدره، ومنها قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]، وهذا التشبيه في أصل الوحي، لا في قدره، وفضل الموحى به، وقوله تعالى: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] إنما مرادهم جنس الآية، لا نظيرها، وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] ومعلوم أن كيفية الاستخلاف مختلفة، وأنّ ما لهذه الأمّة أكمل مما لغيرهم، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] والتشبيه إنما هو في أصل الصوم، لا في عينه وقدره وكيفيته، وقال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] ومعلوم تفاوت ما بين النشأة الأولى، وهي المبدأ، والثانية، وهي المعاد. وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} [المزمّل: 15] ومعلوم أن التشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولين.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو أنكم تتوكلون على الله حقّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خِمَاصاً، وتَرُوح بِطَانًا" (¬1).
فالتشبيه هنا في أصل الرزق، لا في قدره، ولا في كيفيته، ونظائرِ ذلك.
وهذا الجواب أيضاً ضعيف لوجوه:
منها: أن ما ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي، فلو قلت: أحسن إلى أبيك وأهلك كما أحسنت إلى مركوبك وخادمك ونحوه جاز ذلك، ومن المعلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة لحسن أن نقول: اللَّهمّ صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل أبي أوفى، أو كما صليت على آحاد المؤمنين
¬__________
(¬1) أخرجه أحمد 1/ 30 والترمذي 2345 وابن ماجه 4164 وإسناده صحيح، وصححه الحاكم 4/ 318.

الصفحة 138