كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 18)

يعني الإمام- ويلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه. وقال أبو داود -رَحِمَهُ اللَّهُ-: سمعت أحمد سئل عن القنوت؟، فقال: الذي يعجبنا أن يقنت الإمام، ويؤمّن من خلفه، قال: وكنت أكون خلفه، فكنت أتسمّع نغمته في القنوت، فلم أسمع منه شيئًا، قلت لأحمد: إذا لم أسمع قنوت الإمام أدعو؟ قال: نعم. وقال إسحاق: يدعوا الإمام، ويؤمّن من خلفه.
قال محمد بن نصر -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وهذا الذي أختار، أن يسكتوا حتى يفرغ الإمام من قراءة السورتين، ثم إذا بلغ بعد ذلك مواضع الدعاء أمّنوا انتهى (¬1).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي اختاره ابن نصر -رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الأرجح عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في مسح الوجه بيديه بعد فراغه من الدعاء: أخرج الإمام محمد بن نصر من طريق صالح بن حسّان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -، قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -: "إذا دعوت، فادع اللَّه ببطون كفيك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك". وأخرج أيضًا من طريق عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -، عن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، قال: "إذا سألتم فاسألوه ببطون أكفكم، ثم لا تردّوها حتى تمسحوا بها وجوهكم". وفي رواية: "فإن اللَّه جاعل فيها بركة". وعن المعتمر: رأيت أبا كعب صاحب الحرير يدعو رافعا يديه، فإذا فرغ من دعائه يمسح بهما وجهه، فقلت له: من رأيت يفعل هذا؟ فقال: الحسن.
قال محمد بن نصر: ورأيت إسحاق يستحسن العمل بهذه الأحاديث، وأما أحمد بن حنبل، فحدثني أبو داود، قال: سمعت أحمد، وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر؟ فقال: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله، قال: وعيسى بن ميمون هذا الذي روى حديث ابن عباس ليس ممن يُحتجّ بحديثه (¬2)، وكذلك صالح بن حسان (¬3). وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء؟ فأنكر ذلك، وقال: ما علمت، وسئل عبد اللَّه عن الرجل يبسط يديه، فيدعو، ثم يمسح بهما وجهه؟ فقال: كره ذلك سفيان. انتهى (¬4).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحاديث مسح الوجه بعد الدعاء كلها ضعيفة، وإن حاول الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في "بلوغ المرام" في تحسينها بمجموع الطرق، لكن الذي يظهر لي أنها لا تصلح للاحتجاج بها لشدة ضعفها، فالأرجح عدم مشروعيّة المسح. واللَّه تعالى
¬__________
(¬1) - مختصر كتاب الوتر ص 141.
(¬2) قال في "ت": ضعيف.
(¬3) قال في "ت": متروك الحديث.
(¬4) - المصدر المذكور ص 1421 - 142.

الصفحة 125