كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 19)

شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ) وفي رواية لمسلم: "جاءت امرأة من غامد، من الأزد"، قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: كذا في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى: "من جُهينة"، ولا تباعد بين الروايتين، فإن غامدًا قبيلة من جهينة، قاله عياض، وأظنّ جهينة من الأزد، وبهذا تتفق الروايات انتهى. وكتب في هامش "المفهم": ما نصّه: جاء في حاشية (م ا): اسم الغامديّة سُبيعة، وقيل: أمية بنت فرح انتهى (¬1).
(أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم -، فَقَالَتْ: إِنَّي زَنَيْتُ) وفي رواية مسلم: فقالت: يا رسول اللَّه طهّرني، فقال: "ويحك ارجعي، فاستغفر اللَّه، وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن تردّني كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاكِ؟ "، قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال: "آنت؟ "، قالت نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك ... "
(وَهِيَ حُبْلَى) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قولها هذا اعتراف منها من غير تكرار يُطلب منها، ففيه دليل على عدم اشتراطه على ما مرّ، وكونه - صلى اللَّه عليه وسلم - لم يستفصلها كما استفصل ماعزًا، لأنها لم يظهر عليها ما يوجب ارتيابًا في قولها، ولا شكّا في حالها، بخلاف حال ماعز، فإنه ظهر عليه ما يشبه الجنون، فلذلك استفصله النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -، ليستثبت أمره، كما تقدّم. انتهى.
(فَدَفَعَهَا إِلَى وَلِيِّهَا) ولمسلم: "فدعا نبي اللَّه وليّها" (فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا) قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا الإحسان له سببان: أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة، ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها، تحذيرًا لهم من ذلك. والثاني: أمر به رحمة لها، إذ قد تابت، وحرص على الإحسان إليها، لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي، ونحو ذلك، فنهَى عن هذا كلّه. انتهى (¬2).
(فَإِذَا وَضَعَتْ) أي ولدت حملها (فَأْتِنِي بهِا) وفي لفظ لمسلم: "إما لا، فاذهبي حتى تلدي". قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "إما" بكسر الهمزة التي هي همزة، "إن" الشرطيّة، زيدت عليها "ما" المؤكّدة، بدليل دخول الفاء في جوابها، و"لا" التي بعدها للنفي، فكأنه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن إقرارك، فافعلي، وإن لم تفعلي، فاذهبي حتى تلدي.
ثم اختلف العلماء فيها إذا وضعت، فقال مالك: إذا وضعت رُجمت، ولم يُنتظر بها
¬__________
(¬1) - راجع "المفهم" ج 5 ص 96 "كتاب الحدود": "باب إقامة الحدّ على من اعترف".
(¬2) - "شرح مسلم" ج 11 ص 203. "كتاب الحدود".

الصفحة 239