كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 20)

ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق أنه قال: رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون (¬1) يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ قبل صيام الناس أني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ صوم يومي هذا إلى الليل.
قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على الأمير، وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد: إن الخيرة إلى الأمير في صيام ليلة الغيم. فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد أنس ترك الخلاف على أميره.
قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - خلاف ما نقله عنه، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" عنه أنه قال: نهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين. لكن روى البيهقيّ عنه من رواية أبي مريم عنه: "لأن أصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان". ثم قال البيهقيّ: كذا روي عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صوما كان يصومه أصحّ من ذلك انتهى.
قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصح، وقد رواه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" من رواية مكحول عنه، وضعّفه. قال: وأما أثر عمرو بن العاص، فلم أر له إسنادًا. قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من التابعين، كما ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن عمر، وعائشة، وأسماء - رضي اللَّه عنهم -، واختلف عن أبي هريرة كما تقدّم.
قال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل العلم أولى بنا انتهى.
وقال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا طاوس، وأحمد بن حنبل. وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه. انتهى.
(المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدِّرُوه بحساب المنازل، حكاه النوويّ في "شرح مسلم" عن ابن سُريج، وجماعة، منهم مطرّف بن
¬__________
(¬1) - هكذا نسخ "الطرح" بالرفع، ولعل الأولى بالنصب، فليحرّر.

الصفحة 299