كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 23)

تَرعاها بعد هَيْجِ العُشْب (¬1)، وُيبْسه. قال: وأكثر ما رأيت العرب يجعلون الْخَضِرَ ما كان أخضر من الْحَلِيّ (¬2) الذي لم يَصفرّ، والماشيةُ ترتع منه شيئًا، فشيئًا، ولا تستكثر منه، فلا تَحْبَط بطونها عنه، قال: وقد ذكره طَرَفَة، فبيّن أنه من نبات الصيف في قوله:
كَبَنَاتِ الْمَخْرِ يَمْأَدْنَ (¬3) إِذَا ... أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ (¬4) الْخَضِرْ
فالْخَضِر من كلأ الصيف في القَيْظِ، وليس من أحرار بُقول الربيع، والنَّعَمُ لا تَسْتَوبله (¬5)، ولا تحبط بُطونها عنه، قال: وبنات مَخْرٍ أيضًا، وهي سحائبُ يأتين قُبُلَ الصيف. قال: وأما الْخُضَارةُ، فهي من البقول الشِّتَويّة، وليست من الْجَنْبَة، فضرب النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - آكلة الخضر مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا، وجَمْعِها، ولا يُسرف في قَمّها (¬6) والحرص عليها، وأنه ينجو من وَبَالها، كما نَجَت آكلة الْخَضِر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر، استقبلت عين الشمس، فثلطت، وبالت، وإذا ثلطت، فقد ذهب حَبَطُها، وإنما تَحْبَط الماشية إذا لم تَثلِطْ، ولم تَبُل، وأْتُطِمت (¬7) عليها بطونها. وقوله: "إلا آكلة الخضر" معناه لكن آكلة الخضر.
وأما قوله - صلى اللَّه عليه وسلم -: إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَة" ههنا الناعمة الْغَضّة، وحَثَّ على إعطاء المسكين، واليتيم منه، مع حلاوته، ورغبة الناس فيه؛ ليقيه اللَّه تبارك وتعالى وَبَالَ نَعْمَتِها في دنياه وآخرته انتهى كلام الأزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- (¬8).
(وَإنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح، فكسر: أي كبقلة خَضِرة في المنظر (حُلْوَةٌ) بضمّ، فسكون: أي كفاكهة حُلْوة في الذوق، فلكثرة ميل الطبع يأخذ الإنسان بكلّ وجه، فيؤدّيه ذلك إلى الوجه الذي لا ينبغي، فيهلك (وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ) وفي رواية البخاريّ: "فنعم المعونة هو" قال في "الفتح": هو كالتذييل للكلام المتقدِّم.
(إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيمَ) أي بعد أن يأخذه بوجهه، وإلى هذا القيد أشار بذكر ما يقتضيه
¬__________
(¬1) -أي يبسه، فـ "يبسه" عطف تفسير له.
(¬2) - الْحَلِيّ كغَنيّ: نبات بعينه، وهو من خير مراتع أهل البادية للنعم، والخيل، وإذا ظهرت ثمرته، أشبه الزرع، إذا أسبل. أفاده في "اللسان".
(¬3) - مأد النبات، كمنع: اهتزّ، وتروّى، وجرى فيه الماء. "قاموس".
(¬4) - جمع عُسْلُوج، قال في "القاموس": الْعُسْلُجُ، والْعُسْلُوج: ما لان، واخضرّ من الْقُضْبان. انتهى.
(¬5) -أي لا تشتهيه.
(¬6) -أي جمعها.
(¬7) -بالبناء للمفعول: أي انتفخت بطونها.
(¬8) - راجع "لسان العرب" في دادّة (حبط).

الصفحة 146