كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 23)

الرجال كما مرّ آنفًا، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو سعيد - رضي اللَّه عنه - من المكثرين السبعة روى (1170) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك بن سنان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: سَرَّحَتْنِي أُمِّي) بتشديد الراء، من التسريح، وهو الإرسال، أي أرسلتني (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم -) أي ليسأله شيئًا من المال لحاجة ألمّت بهم، كما بيّنته الرواية الآتية في المسألة الرابعة عن "التمهيد" لابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (فَأتَيْتُهُ، وَقَعَدْتُ، فَاسْتَقْبَلَنِي) يقال: استقبلت الشيء: إذا واجهته (وَقَالَ) - صلى اللَّه عليه وسلم - (مَنِ) هي في المواضع الثلاثة يحتمل أن تكون موصولة مبتدأ، ويحتمل أن تكون شرطيّة (اسْتَغنَى أَغْنَاهُ اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-) أي من طلب من اللَّه تعالى أن يُغنيه عن مسألة الناس رزقه الغنى عنهم، إما بأن يرزقه مالًا كثيرًا، أو يرزقه القناعة بما لديه، وإن قلّ (وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-) أي من طلب من اللَّه تعالى أن يرزقه العفاف من الحرام رزقه اللَّه تعالى الحلال الذي يمنعه من الوقوع في الحرام، أو يرزقه العفّة منه (وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-) أي من طلب من اللَّه تعالى الكفاية رزقه ما يكفيه عن التعرّض لما عند الناس بالسؤال أو غيره (وَمَنْ) هي هنا شرطيّة؛ لاقتران جوابها بالفاء (سَأَلَ، وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ) - بضمّ الهمزة، وتشديد الياء- قال الفيّوميّ: هي عند العرب أربعون درهمًا، وهي في تقدير أُفعولة، كالأُعجوبة، والأُحدُوثة، والجمع الأواقيّ بالتشديد، والتخفيف. وقال ثعلبٌ في باب المضموم أوّلُهُ: وهي الأُوقيّة، والْوُقيّة لغة، وهي بضمّ الواو، هكذا هي مضبوطة في كتاب ابن السّكّيت. وقال الأزهريّ: قال الليث: الوُقيّة سبعة مثاقيل، وهي مضبوطة بالضمّ أيضًا. قال المطّرّزيّ: وهكذا هي مضبوطةٌ في شرح السنّة في عدّة مواضع، وجرى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغة حكاها بعضهم، وجمعُها وَقَايَا، مثلُ عَطيّة وعَطَيَا انتهى كلام الفيّوميّ (¬1).
سمّيت أوقيّة من الوقاية؛ لأن المال مخزون مصون، أو لأنه يقي الشخص من الضرورة.
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: والأوقية إذا أطلقت، فإنما يراد بها الفضّة، دون الذهب وغيره، هذا قول العلماء، ألا ترى إلى حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: "ليس فيما دون خمس أوق صدقة" فلم يختلف العلماء أنه لم يَعنِ بذلك إلا
¬__________
(¬1) - "المصباح المنير" في مادّة وقى.

الصفحة 199