كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 26)

أصابه ما مَضَّهُ (¬1)، وأحرقه غفلةً، كالجمرة، والضَّرْبَة، ونحوهما. قاله ابن الأثير (¬2). وقال ابن منظور: و"حَسِّ" بفتح الحاء، وكسر السين، وترك التنوين: كلمة تقال عند الألم، ويقال: إني لأجد حَسًّا من وَجَع؛ قال العجاج:
فَمَا أَرَاهُمْ جَزَعًا بِحَسِّ ... عَطْفَ الْبَلَايَا الْمَسَّ بَعْدَ الْمَسّ
وَحَرَكَاتِ الْبَأْسِ بَعْدَ الْبَأْسِ ... أَنْ يَسْمَهِرُّوا لِضِرَاسِ الضَّرْسِ
"يَسْمَهِرُّوا": يشتدّوا. و"الضِّرَاس": الْمُعَاضَّةُ. و"الضَّرْسُ": الْعَضُّ.
قال: والعرب تقول عند لَذعَةِ النارِ، والوَجَعِ الحادّ: حَسِّ بَسِّ، وضُرِبَ فما قال: حَسِّ، ولا بَسِّ، بالجرّ والتنوين. ومنهم من يُجَرّ، ولا يُنوّن. ومنهم من يكسر الحاء والباء، فيقول: حِسٍّ، ولا بِسِّ. ومنهم من يقول: حَسًّا، ولا بَسًّا. يعني التوجّع انتهى كلام ابن منظور باختصار (¬3).
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -: لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ) وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "لو قلت: بسم اللَّه، أو ذكرت اسم اللَّه ... " (لَرَفَعَتكَ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال. وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تَلِجَ بك في جوّ السماء، ثم صَعِدَ رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - إلى أصحابه، وهم مجتمعون".
قال السنديّ: أُخذ منه أن من يَطعُنُه العدوّ ينبغي له أن يقول "بسم اللَّه"، أو نحو ذلك، ولا ينبغي أن يُظهر التوجّع. ولا يلزم من هذا أن كلّ من يقول: "بسم اللَّه" إذا طُعِن، أو قُطعت أصابعه ترفعه الملائكة، بل الظاهر أن المراد الإخبار بما قُدِّر لطلحة بخصوصه تقديرًا مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم (¬4) (ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ) أي كفى اللَّه تعالى نبيه - صلى اللَّه عليه وسلم -، فردّ كيدهم عنه، فرجعوا خائبين، والحمد للَّه رب العالمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا فيه عنعنة أبي الزبير، وقد وُصف بالتدليس، لكن مع هذا حسّنه الشيخ الألبانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بشواهده، وقد خرّج تلك الشواهد في "السلسلة الصحيحة" 5/ 203 - 204 رقم 2171
¬__________
(¬1) - أي أحزنه جدًّا، يقال: مضّه الشيءُ مضًّا، ومَضِيضًا: بلغ من قلبه الحزن به، كأمضّه. اهـ "قاموس".
(¬2) - "النهاية" 1/ 385.
(¬3) - "لسان العرب" في مادة حسس.
(¬4) - "شرح السندي" 6/ 30.

الصفحة 226