كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (اسم الجزء: 29)

المذكورة: "فقال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -: استَهِما عليه". أي اقترعا على الابن. قال الشوكانيّ: فيه دليل على أن القرعة طريق شرعية عند تساوي الأمرين، وأنه يجوز الرجوع إليها، كما يجوز الرجوع إلى التخيير، وقد قيل: إنه يقدّم التخيير عليها، وليس في حديث أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - هذا ما يدلّ على ذلك، بل ربّما دلّ على عكسه؛ لأن النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - أمرهما أوّلاً بالاستهام، ثم لما لم يفعلا خيّر الولد، وقد قيل: إن التخيير أولى؛ لاتفاق ألفاظ الأحاديث عليه، وعمل الخلفاء الراشدين به انتهى (¬1) (فَجَاءَ زَوْجُهَا، وَقَالَ: مَنْ يُخَاصِمُنِي فِي ابْنِي) وفي رواية أبي داود: "من يُحاقّني". والْحِقَاق، والاحتقاق: الخِصَام، والاختصام، كما في "القاموس"، أي من يخاصمني في أخذ ولدي (فَقَالَ) - صلى اللَّه عليه وسلم - (يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ؟ "، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ) قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا في الغلام الذي قد عقل، واستغنى عن الحضانة، وإذا كان كذلك خُيّر بين والديه انتهى (¬2) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-52/ 3523 - وفي "الكبرى" 52/ 5690. وأخرجه (د) في "الطلاق" 2277 (ت) في "الأحكام" 1357 (أحمد) في "مسند المكثرين" 9479 (الدارمي) في "الطلاق" 2293. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الئالة): في اختلاف أهل العلم في الصبيّ، إذا أسلم أحد أبويه:
قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: لا تثبت الحضانة لكافر على مسلم، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وسوّارٌ، والعنبريّ. وقال ابن القاسم، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تثبت له؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، رافع بن سنان - رضي اللَّه عنه - أنه أسلم، وأبت امرأته أن تُسلم، فأتت النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم -، فقالت: ابنتي ... الحديث. رواه أبو داود.
قال: ولنا أنها ولايةٌ، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا
¬__________
(¬1) "نيل الأوطار" 6/ 351.
(¬2) "معالم السنن" 3/ 185.

الصفحة 209