كتاب مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (اسم الجزء: 1)
أَحَدُهَا: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لِلتَّبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّأَدُّبِ بِإِحَالَةِ الأُمُورِ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّبَرِّي مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَالإِعْجَابِ بِحَالِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ التَّصْدِيقَ الإِيمَانِيَّ الْمَنُوطَ بِهِ النَّجَاةُ: أَمْرٌ قَلْبِيٌّ خَفِيٌّ، لَهُ مُعَارَضَاتٌ خَفِيَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْهَوَى وَالشَّيْطَانِ وَالْخِذْلانِ. فَالْمَرْءُ - وَإِنْ كَانَ جَازِمًا بِحُصُولِهِ- لَكِنَّهُ1 لا يَأْمَنُ أَنْ يَشُوبَهُ شَيْءٌ مِنْ مُنَافِيَاتِ النَّجَاةِ، وَلا سِيَّمَا عِنْدَ2 تَفَاصِيلِ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الصَّعْبَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْهَوَى وَالْمُسْتَلَذَّات مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ لَهُ بِذَلِكَ. فَلِذَلِكَ يُفَوِّضُ حُصُولَهُ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
الثَّالِثُ: أَنَّ الإِيمَانَ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِيهِ، لَكِنَّ3 الإِيمَانَ الَّذِي 4 هُوَ عَلَمُ 4 الْفَوْزِ وَآيَةُ النَّجَاةِ: إيمَانُ الْمُوَافَاةِ5.
فَاعْتَنَى السَّلَفُ بِهِ وَقَرَنُوهُ بِالْمَشِيئَةِ، وَلَمْ يَقْصِدُوا الشَّكَّ فِي الإِيمَانِ النَّاجِزِ6.
وَأَمَّا الإِسْلامُ: فَلا يَجُوزُ الاسْتِثْنَاءُ فِيهِ بِأَنْ يَقُولَ: "أَنَا مُسْلِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ"، بَلْ يَجْزِمُ بِهِ. قَالَهُ 7 ابْنُ حَمْدَانَ 7 فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ" وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ شَرَطْنَا فِيهِ الْعَمَلَ.
__________
1 في ض ب ز: لكن.
2 ساقطة من ع.
3 في ش: لأن.
4 في ش: على.
5 أي أن من وافى ربه على الإيمان فهو مؤمن، ومن وافاه بغير الإيمان الذي أظهره في الدنيا عُلِمَ في عاقبته أنه لم يكن قط مؤمناً. "انظر الإيمان لابن تيمية ص367، أصول الدين للبغدادي ص253، فتاوى السبكي 1/ 66".
6 انظر تفصيل الكلام على الاستثناء في الإيمان في "فتاوى السبكي 1/ 63-73، أصول الدين للبغدادي ص253، السنة للإمام أحمد ص72-85، الإيمان لابن تيمية ص366-393".
7 في ش: الإمام أحمد.
الصفحة 152