كتاب مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (اسم الجزء: 1)

لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: تَحْرِيرُ النَّقْلِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ - كَمَا صَرَّحَا بِهِ فِي كُتُبِهِمَا الأُصُولِيَّةِ- أَنَّهُمَا يَقُولانِ: إنَّ الْعَالَمِيَّةَ بِعِلْمٍ، لَكِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ، لا أَنَّهُ عَالِمٌ بِدُونِ عِلْمٍ، كَمَا اُشْتُهِرَ فِي النَّقْلِ عَنْهُمَا وَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيُعَلِّلُونَ الْعَالِمَ بِوُجُودِ عِلْمٍ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، وَكَذَا فِي الْبَاقِي1.
"وَكُلُّ اسْمِ مَعْنًى قَائِمٌ بِمَحَلٍّ يَجِبُ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحَلِّهِ مِنْهُ" أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى "اسْمُ فَاعِلٍ"2.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أُصُولِ حُجَجِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ. فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ فِي فِطَرِ3 الْخَلْقِ: أَنَّ الصِّفَةَ إذَا قَامَتْ بِمَحَلٍّ اتَّصَفَ بِهَا ذَلِكَ الْمَحَلُّ لا غَيْرُهُ فَإِذَا قَامَ الْعِلْمُ بِمَحَلٍّ كَانَ هُوَ الْعَالِمُ بِهِ لا غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ الْقُدْرَةُ أَوْ الْحَيَاةُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ، وَلا خِلافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، فَسَمَّوْا اللَّهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا بِكَلامِ خَلْقِهِ فِي جِسْمٍ. وَلَمْ يُسَمُّوا ذَلِكَ الْجِسْمَ مُتَكَلِّمًا.
دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ: الاسْتِقْرَاءُ، فَإِنَّ لُغَةَ الْعَرَبَ اُسْتُقْرِئَتْ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا اسْمُ فَاعِلٍ مُطْلَقٌ عَلَى شَيْءٍ إلاَّ وَالْمَعْنَى الْمُشْتَقُّ مِنْهُ قَائِمٌ بِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ.
"وَ" الْمُشْتَقُّ مِثْلُ "أَبْيَضَ وَنَحْوِهِ" كَأَسْوَدَ وَضَارِبٍ وَمَضْرُوبٍ "يَدُلُّ عَلَى
__________
1 انظر تفصيل الكلام على هذه المسألة في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 283 وما بعدها، العضد على ابن الحاجب 1/ 181 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 192، الإحكام للآمدي 1/ 54، شرح تنقيح الفصول ص48، العضد على ابن الحاجب 1/ 181 وما بعدها، فواح الرحموت 1/ 192، الإحكام للآمدي 1/ 45، شرح تنقيح الفصول ص48".
2 انظر شرح تنقيح الفصول ص48، العضد على ابن الحاجب وحواشيه 1/ 181، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 286، الإحكام للآمدي 1/ 54، فواتح الرحموت 1/ 193.
3 في ش: نظر.

الصفحة 220