كتاب مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (اسم الجزء: 1)

ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِبَيَاضٍ" أَوْ سَوَادٍ أَوْ وُجُودِ ضَرْبٍ "لا" عَلَى 1 خُصُوصِيَّتِهَا بِهِ 1 أَيْ لا عَلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ2.
ثُمَّ إنْ عُلِمَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الالْتِزَامِ، لا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّاهُ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَنَا "إنَّ الأَبْيَضَ جِسْمٌ" مُسْتَقِيمٌ، وَلَوْ دَلَّ الأَسْوَدُ عَلَى خُصُوصِ الاسْمِ، لَكَانَ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ؛ لأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: "الْجِسْمُ ذُو السَّوَادِ" جِسْمٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِلُّزُومِ التَّكْرَارِ بِلا فَائِدَةٍ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: "الْمُشْتَقُّ لا إشْعَارَ لَهُ بِخُصُوصِيَّةِ الذَّاتِ". فَالأَسْوَدُ - مَثَلاً- ذَاتٌ لَهَا سَوَادٌ، وَلا يَدُلُّ عَلَى حَيَوَانٍ، وَلا غَيْرِهِ. وَالْحَيَوَانُ: ذَاتٌ لَهَا حَيَاةٌ، لا خُصُوصُ إنْسَانٍ وَلا غَيْرِهِ.
"وَالْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ" أَيْ الْخَلْقُ "فِعْلُ الرَّبِّ تَعَالَى قَائِمٌ بِهِ، مُغَايِرٌ لِصِفَةِ الْقُدْرَةِ" وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْقَاضِي أَخِيرًا، وَأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَهْلِ الأَثَرِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "الْخَلْقُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمُ بِهِ، وَالْمَخْلُوقَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ3 عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ: إنَّ خَلْقَ الرَّبِّ تَعَالَى لِلْعَالَمِ لَيْسَ هُوَ
__________
1 في ع: خصوصيته.
2 انظر تفصيل الكلام على هذه المسألة في "المحلي على جمع الجوامع 1/ 289 وما بعدها، العضد على ابن الحاجب 1/ 182 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 196 وما بعدها".
3 هو الحسين بن مسعود بن محمد البغوي الشافعي، أبو محمد، المعروف بالفَرَّاء، والملقب محيّي السنة. قال الداودي: "كان إماماً في التفسير، إماماً في الحديث، إماماً في الفقه، جليلاً ورعاً زاهداً". أشهر مصنفاته "معالم التنزيل في التفسير" و "شرح السنة" و "مصابيح السنة" و "التهذيب" في الفقه الشافعي. توفي سنة 516هـ. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي 1/ 157، وفيات الأعيان 1/ 403، طبقات الشافعية للسبكي 7/ 75، شذرات الهذب 4/ 48".

الصفحة 221