كتاب مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (اسم الجزء: 3)

سبحانه وتَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} 1.
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُرْفَ الاسْتِعْمَالِ الطَّارِئِ عَلَى الْوَضْعِ يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْمَسْحِ بِبَعْضِ الرَّأْسِ2، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ3.
"وَلا" إجْمَالَ "فِي" قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" 4 عِنْدَ الْجُمْهُورِ5.
وَقِيلَ: مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ نَفْيِ الصُّورَةِ وَالْحُكْمِ. وَأَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الْمَذْكُورِ مُرَادًا فَلا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ لِمُتَعَلِّقِ الرَّفْعِ. وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ فَحَصَلَ الإِجْمَالُ6.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ: بِأَنَّ نَفْيَ الصُّورَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، لِمَا فِيهِ مِنْ نِسْبَةِ كَلامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْكَذِبِ وَالْخُلْفِ, فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْحُكْمِ.
وَعَنْ الثَّانِي -وَهُوَ احْتِمَالُ الْمُضْمَرَاتِ- بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُرَادِ، إمَّا
__________
1 الآية 6 من المائدة.
2 ولهذا فإنه إذا قال شخص لغيره"امسح يدك بالمنديل" لا يفهم أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل إن شاء يكله وإن شاء ببعضه.. ولهذا فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منها. وكذلك إذا قال "مسحت يدي بالمنديل" فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه، غير فاهمين لزوم وقع المسح بالكل أو بالبعض، بل بالقدر المشترك بين الكل والبعض، وهو مطلق المسح. "الإحكام للآمدي 3/14، وانظر المحصول?1ق3/ 247".
3 انظر أحكام القرآن للشافعي 1/44، أحكام القرآن للكيا الهراسي 3/85، شرح العضد 2/159، الإحكام للآمدي 3/14، المحصول ?1ق3/ 247.
4 سبق تخريجه في? 1 ص 512.
5 انظر "المحصول?1ق3/ 257، روضة الناظر ص 183، مختصر الطوفي ص117، المستصفى 1/348، الإحكام للآمدي 3/15، شرح العضد 2/159، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/60، الآيات البينات 3/110، إرشاد الفحول ص171، اللمع ص29، فواتح الرحموت 2/38، أصول السرخسي 1/251، مناهج العقول 2/143، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص285 وما بعدها، نهاية السول 2/145.
6 المعتمد للبصري 1/336، شرح تنقيح الفصول ص277.

الصفحة 424