كتاب مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (اسم الجزء: 3)

فَلِذَلِكَ اعْتَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِ الْمُبَايَعَاتِ الْفَاسِدَةِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ1، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُلامَسَةِ2، وَغَيْرِ ذَلِكَ, بِخِلافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَنِ فِيهَا بِبَيَانِ مَا لا زَكَاةَ فِيهِ, فَمَنْ ادَّعَى وُجُوبَهَا فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ -كَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ- فَقَدْ ادَّعَى حُكْمًا عَلَى خِلافِ الدَّلِيلِ.
وَأَمَّا تَرَدُّدُ الشَّافِعِيِّ فِي آيَةِ الْبَيْعِ: هَلْ الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُبَيِّنُ لَهَا الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ، دُونَ الزَّكَاةِ؟ فَلأَنَّهُ تَعَالَى3 عَقَّبَهُ4 عَلَى الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} 5 وَالرِّبَا6 مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ اللُّغَوِيَّةِ7, وَلَمْ يُعَقِّبْ آيَةَ الزَّكَاةِ بِشَيْءٍ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
__________
1 حديث النهي عن بيع حبل الحبلة أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ عن ابن عمر رضي الله عنه. "انظر صحيح البخاري 3/93، صحيح مسلم 3/1153، بذل المجهود 15/38، عارضة الأحوذي 5/236، سنن النسائي 7/257، سنن ابن ماجه 2/740، الموطأ2/653، شرح السنة للبغوي 8/136".
2 حديث النهي عن بيع المنابذة والملامسة أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "انظر صحيح البخاري 3/92، صحيح مسلم 3/1151، بذل المجهود 15/36، عارضة الأحوذي 6/45، سنن النسائي 7/228، الموطأ 2/666، شرح السنة للبغوي 8/129".
3 ساقطة من ع ز ض ب.
4 في ش: عقب.
5 الآية 275 من البقرة.
6 ساقطة من ش.
7 قال الشافعي في كتابه "أحكام القرآن" "1/135": قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} فاحتمل إحلال الله البيع معنيين "أحدهما" أن يكون أحل كل بيع تبايعه المتابيعان -جائزي الأمر فيما تبايعاه- عن تراض منها. وهذا أظهر معانيه. "والثاني" أن يكون الله أحل البيع إذا كان مما لم ينه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله معنى ما أراد فيكون هذا من الجملة التي أحكم الله فرضها بكتابه وبين كيف هي على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. أو من العام الذي أراد به الخاص، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أريد بإحلاله منه وما حرم، أو يكون داخلاً فيمها. أو من العام الذي أباحه إلا ما حرم على لسان نبيه منه ومافي معناه. كما كان الضوء فرضاً على كل متوضىء لاخفين عليه لبسهما على كمال الطهارة. وأي هذه المعاني كان فقد ألزمه الله خلقه بما فرض من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيوع تراضى بها المتابيعان استدللنا على أن الله أراد بما أحل من البيوع ما لم يدل على تحريمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم دون ما حرم على لسانه".
وقال الجويني في "البرهان" "1/422": "تردد جواب الشافعي في أن قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} من المجملات. وسبب تردده أن لفظ الربا مجمل، وهو مذكور في حكم الاستثناء عن البيع، والمجهول إذا استثني من المعلوم انسحب على الكلام كله إجمال".

الصفحة 428