كتاب مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (اسم الجزء: 3)
وَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ نَسْخَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ بِأَكْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ1 وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ2 ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ.
وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ الْقَوْلَ بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحُكِيَ عَنْ التَّمِيمِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ3, لأَنَّ دَلالَتَهُ دُونَهُ4.
"وَ" الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مِنْ طُرُقِ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ "قَوْلُ الرَّاوِي" لِلنَّاسِخِ "كَانَ كَذَا وَنُسِخَ، أَوْ رُخِّصَ فِي كَذَا ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ وَنَحْوِهِمَا"5 كَقَوْلِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ6 وَكَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ7 وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ كَثِيرٌ.
__________
1 سبق تخريج الحديث في المجلد الثاني صفحة 566، 567.
2 في ض ب: ما قدم.
3 المسودة ص229.
4 أي أن دلالة الفعل دون دلالة صريح القول، والشيء إنما ينسخ بمثله أو بأقوى منه، فأما بدونه فلا. "المسودة ص229".
5 انظر المسودة ص231، العدة 3/832، الاعتبار للحازمي ص10، الإحكام لابن حزم 4/459، اللمع ص34، روضة الناظر ص89، مختصر الطوفي 83، فتح الغفار 2/136، فواتح الرحموت 2/95، إرشاد الفحول ص197، وقد خالف في حجية هذا الوجه فريق من العلماء كالغزالي والرازي والآمدي، واستدلوا على ذلك بأن قول الراوي هذا ربما كان اجتهاداً، فلا يكون حجة على الغير. "المستصفى 1/128، الإحكام للآمدي 3/18، المحصول ج1 ق3/566".
غير أن صاحب فواتح الرحموت رد عليهم حجتهم فقال: "إن تعيين العدل الموثوق بعدالته، بل مقطوعها لناسخ لا يكون إلا عن علم بالتاريخ والتعارض، فإن المراد عنده معلوم بمشاهدة القرائن، فحكمه بالنسخ عن بصيرة، ولا مجال للاجتهاد فيه". "فواتح الرحموت 2/95".
6 رواه الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص50.
7 أخرجه مسلم والترمذي والبيهقي ومالك في الموطأ، ولفظ مسلم "رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقمنا، وقعد فقعدنا" يعني للجنازة. ولفظ البيهقي: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجنائز حتى توضع وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود". "انظر صحيح مسلم 2/662،الموطأ=