مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا، وَلاَ أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ» (¬1) ورأي الزهري هذا رأي أكثر علماء ذلك العصر، فإن حرصهم على حديث رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أن يدرس لا يقل عن حرصهم على سلامته من الكذب والوضع، فكان هذان العاملان من أقوى العوامل التي حفزت همم العلماء إلى خدمة السنة وكتابتها، عندما تبنت الحكومة جمعها رسميًا على يدي الخليفة الورع عمر بن عبد العزيز، الذي اتخذ خطوة حازمة فكتب إلى الآفاق: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْمَعُوهُ» (¬2).
وكان فيما كتب إلى أهل المدينة: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكُتُبُوهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ، وَذَهَابَ أَهْلِهِ» (¬3). وكان في كتابه إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (- 117 هـ) عامله على المدينة أن «اكْتُبْ إِلَيَّ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَكَ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِحَدِيثِ عَمْرَةَ، فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَهُ» (¬4). وفي رواية: «أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ العِلْمَ مِنْ عِنْدِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (- 98 هـ)، وَالقَاسِمِ بْنَ مُحَمَّدٍ (- 107 هـ)، فَكَتَبَهُ لَهُ» (¬5) وفي رواية: «فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ [يُقْبَلُ] إِلاَّ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولْيُفْشُوا العِلْمَ
¬__________
(¬1) " تقييد العلم ": ص 108.
(¬2) " فتح الباري ": ص 204 جـ 1، ورواه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان ".
(¬3) " سنن الدارمي ": ص 126 جـ 1، وقارن بـ " المحدث الفاصل " نسخة دمشق: ص 4: آجـ 4 وقارن بكتاب " الأموال ": ص 358، 359.
(¬4) " سنن الدارمي ": ص 126 جـ 1، وقارن بـ " طبقات ابن سعد ": ص 134 قسم 2 جـ 2 وبـ " الأموال " لابن سلام: ص 578 وبـ " التاريخ الصغير " للبخاري: ص 105 و" تقييد العلم ": ص 105.
(¬5) " تقدمة الجرح والتعديل ": ص 21، والمراد أن يكتب له حديث عَمْرَةَ، لأنها توفيت قبل سَنَةِ (99 هـ)، السَنَةُ التي تولى فيها عمر بن عبد العزيز الخلافة، وواضح هذا في الخبر الذي قبله.