كتاب شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني (اسم الجزء: 3)
قال: (ومنها أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملًا لحكم الفرع).
أقول: من شروط حكم الأصل أن لا يكون دليله شاملًا لحكم الفرع وإلا لم يكن جعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا أولى من العكس، ولكان القياس ضائعًا وتطويلًا بلا طائل، مثاله: فى الذرة مطعوم فلا يجوز بيعه بجنسه متفاضلًا قياسًا على البر، فيمنع فى البر فيقول: قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا يدًا بيد سواءً بسواءٍ" (*)، فإن الطعام يتناول الذرة كما يتناول البر، وأنت تعلم مما ذكر أن دليل العلة إذا كان نصًا وجب أن لا يتناول الفرع بلفظه مثل أن يقول: النباش يقطع لأنه سارق كالسارق من الحى، فيقال: ولم قلت أن السارق من الحى إنما يقطع لأنه سارق؟ فيقول: لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨]، رتب القطع على السرقة بفاء التعقيب فدل على أنه المقتضى للقطع، كما سيأتى فيقال فهذا يوجب ثبوت الحكم فى الفرع بالنص فإن ثبوت العلة بعد ثبوت الحكم ولا مخلص للمستدل إلا منع كونه عامًا وسيأتيك لذلك زيادة بيان.
قوله: (وإلا لم يكن جعل أحدهما أصلًا) قد يجاب بأنه يجوز أن بكون دلالته أقوى فيكون بالأصالة أولى فإن تعاضد الأدلة مما يقوى الظن وقد كثر فى كتب الفقه إثبات حكم واحد بأنواع من الأدلة.
الشارح: (فإن ثبوت العلة بعد ثبوت الحكم) أى لأن النص قد أفاد أنها علة للحكم فيكون ثبوت الحكم قبل ثبوت العلة وإذا كان الحكم يثبت قبل ثبوت العلة فلا يثبت بالعلة حتى يكون فرعًا.
الشارح: (وسيأتيك لذلك زيادة بيان) هو ما سيجئ فى بحث شروط العلة أنه يجب أن لا يكون الدال عليها متناولًا لحكم الفرع لا بعمومه ولا بخصوصه لأنه يمكن إثبات حكم الفرع بالنص كما يمكن إثبات حكم الأصل به فالعدول عنه إلى القياس تطويل بلا فائدة لأنه يحتاج إلى إثبات حكم الأصل بالنص ثم العلة ثم وجودها فى الفرع ثم بيان ثبوت حكم الفرع بها والأول يحتاج إلى البحث عن سند النص ومتنه وإثبات حكم الأصل أيضًا يحتاج إليها.
---------------
(*) أخرجه مسلم (٣/ ١٢١١) (ح ١٥٨٧).