كتاب شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني (اسم الجزء: 3)

قال: (الخامس: المستنبطة علة بدليل ظاهر وتخلف الحكم مشكك فلا يعارض الظاهر، وأجيب تخلف الحكم ظاهر أنه ليس بعلة والمناسبة والاستنباط مشكك والتحقيق أن الشك فى أحد المتقابلين يوجب الشك فى الآخر، قالوا: لو توقف كونها أمارة على ثبوت الحكم فى محل آخر لانعكس فكان دورًا أو تحكمًا، وأجيب بأنه دور معية، والحق أن استمرار الظن بكونها أمارة يتوقف على المانع، أو ثبوت الحكم وهما على ظهور كونها أمارة).
أقول: هاتان حجتان لأصحاب المذهب الخامس، وهم القائلون بالجواز فى المستنبطة وإذ لم يكن مانع ولا فوات شرط.
قالوا: أولًا: المستنبطة علة بدليل ظاهر يوجب ظن العلية والتخلف مشكك، فلا يوجب ظن عدم العلية إنما يوجب الشك فيه إذ بتقدير المانع لا يبطل وبتقدير عدمه يبطل، وكلاهما جائز على السواء، والظن لا يرفع بالشك، فالتخلف لا يبطل العلية، وقد أجيب عنه بالمعارضة وهو أن التخلف دليل ظاهر على عدم العلية، ودليل المستنبطة مشكك إذ مع المانع يدل ومع عدمه لا يدل، وكلاهما جائز على السواء. وهذا الجواب جدلى، والتحقيق أن الشك فى أحد المتقابلين يوجب الشك فى الآخر فإذا كان التخلف مشككًا فى عدم العلية كان مشككًا فى العلية إذ حقيقة الشك احتمال المتقابلين سواء، فإذًا قولك العلية مظنونة بدليلها وعدم العلية مشكوك فيه بدليله كلام متناقض لا يلتفت إليه فإن قلت فقد كثر فى ألسن الفقهاء أن اليقين لا يرفع بالظن والظن لا يرفع بالشك، وإنما ذلك حكمهما عند تعارضهما وذلك غير متصور، إذ لا يجتمعان فى متعلق واحد لتضاد أنواع الاعتقاد على ما قررته، قلت: معناه أن حكم الأول الأقوى لا يزول بحكم الثانى الأضعف الطارئ عليه الرافع له لا أنه لا يزول فإن قيل فيقول الخصم بمثله فيما نحن فيه، قلنا: الكلام ههنا فى نفس ظن العلية واعلم أن ههنا زيادة تحقيق وهو أن عند التعارض يحصل الشك فى الطرفين وعند الانفراد يوجب كل الظن، والشك إنما نشأ من التعارض لا أن مقتضى أحدهما الظن والآخر الشك إذا انفردا حتى يقدم عند الاجتماع ما مقتضاه الظن فيعمل به.
قالوا: ثانيًا: لو توقف كونها أمارة وهو ثبوت الحكم بها فى صورة التخلف على ثبوت الحكم بها فى غيرها لانعكس فيتوقف ثبوته فى غيرها على ثبوته فيها،

الصفحة 344