كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام (اسم الجزء: 2)

وأما دليل الحنفية والشافعية والحنابلة على استحبابه عند النوازل: فما رواه ابن خزيمة (1/ 314)، عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كان لا يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم". قال الشيخ تقي الدين: للعلماء في القنوت ثلاثة أقوال: أصحها: أنه يسن عند الحاجة.
قال الشيخ المباركفوري: هذا القنوت يسمى بقنوت النوازل، ولم يرد في الصلاة المكتوبة قنوت غيره، هذا وهو مخصوص بأيام المهام والوقائع والنوازل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم مسلمين، أو دعا على الكافرين، وهذا القنوت لا يختص بصلاة دون صلاة، بل ينبغي الإتيان به في جميع الصلوات.
وأما الزيادة التي تدل على مواظبته -صلى الله عليه وسلم- على القنوت في صلاة الفجر -فهي لا تصلح للاحتجاج، ومع ذلك تعارض حديث أنس.
وقال ابن القيم في "زاد المعاد": أحاديث أنس في القنوت كلها صحاح، يصدق بعضها بعضًا، ولا تناقض فيها، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقَّته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهرًا، يدعو على قوم، ويدعو لقوم، ثم استمر تطويل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، أما الذي تركه فهو الدعاء على أقوام من العرب، وكان بعد الركوع، فزاد أنس القنوت قبل الركوع وبعده، الذي أخبر أنَّه ما زال عليه هو إطالة القيام في هذين المحلين، بقراءة القرآن وبالدعاء.
وقال شيخ الإسلام: لا يقنت في غير الوتر، الاَّ أن تنزل بالمسلمين نازلة، فيقنت كل مصلٍّ في جميع الصلوات، لكنه في الفجر والمغرب آكد بما يناسب تلك النازلة، ومن تدبر السنة، علم علمًا قطعيًّا أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يقنت دائمًا في شيء من الصلوات.

الصفحة 250