كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام (اسم الجزء: 2)

كون الجميع كلام الله تعالى، فقد قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} فأخبر أنَّه يأتي بخير منها، أو مثلها، فدلَّ ذلك على أنَّ الآيات تتماثل تارة، وتتفاضل تارة أخرى.
وأيضًا: التوراة والإنجيل والقرآن، جميعها كلام الله، مع علم المسلمين، بأنَّ القرآن أفضل الكتب الثلاثة، فالقول بأنَّ كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم، وكلام القائلين بذلك كثير منتشر في كتب كثيرة، والمثبت لتفاضل كلام الله معتصم بالكتاب والسنة والآثار، ومعه من المعقولات الصريحة التي تبين ما ذهب إليه، وإثبات تفضيل بعض الكلام على بعض، ليس فيه ما يوهم أنَّ المفضول معيب، أو ناقص.
فإذا علم ما دلَّ عليه الشرع، مع قول السلف من أنَّ بعض القرآن أفضل من بعض، بقي الكلام في كون: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} تعدل ثلث القرآن، ما وجه ذلك؟.
الجواب: قيل في ذلك وجوه: أحسنها -والله أعلم-: ما قاله ابن سُريج وهو: أنَّ القرآن أنزل على ثلاثة أقسام:
ثُلُثُ أحكام، وثلثٌ وعدٌ ووعيد، وثلثُ الأسماء والصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات.
5 - أما الإشارة إلى معاني هذه السورة الجليلة، فهي:
{قُلْ} انطق جازمًا، معتقدًا عارفًا بما تقول:
{هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} فهو صاحب الأحدية، والفردية المطلقة، وهو صاحب الصفات الكاملة، والأسماء الحسنة، والأفعال الحكيمة.
{اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} الذي تقصده جميع المخلوقات لقضاء حوائجها وأمورها، فلا معطي ولا مانع إلاَّ هو.

الصفحة 317