كتاب التفسير والبيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)
وقولُه تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}، فيه الأمرُ بعدَمِ الاكتفاءِ بقتالِ المشرِكينَ المُحارِبينَ عندَ لقائِهم، واعتراضِهِمُ الطَّرِيقَ: {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}؛ وإنَّما أمَرَ بالبحثِ عنهم وتَتبُّعِهِمْ في أماكنِ وجودِهم ولو كانوا مُستتِرينَ متخفِّينَ: {وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}.
وقد جعَل الضَّحَّاكُ هذه الآيةَ ناسِخةً ومنسوخةً؛ جعَلَها ناسخةً لكلِّ آيةٍ فيها ميثاقٌ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معَ أحدٍ مِن المُشرِكينَ (١)، ثم جعَلَها منسوخةً بقولِهِ تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: ٤] (٢).
ومِنهم: مَن قال بعَكْسِ ذلك؛ فجعَلَ هذه الآيةَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ناسخة لقولِهِ: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} [محمد: ٤]؛ قالَة قتادةُ (٣).
وفي إطلاقِ النَّسْخِ نظَرٌ، فالعمَلُ بالآياتِ مُحْكَمٌ، وكلُّ موضعٍ في سياقِهِ وحالِه.
وفي قولِهِ تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وفي الآيةِ التي تَلِيِها بآياتٍ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: ١١]: دليلٌ على أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ واعتقادٌ، فلم يَعْتَبِرِ اللهُ تَوْبَتَهُمْ مقبولةً حتَّى يَستسلِموا ظاهرًا بعمَل، وهذا الذي عليه إجماعُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وقد بيَّنَّا هذه المسألةَ في "العقيدةِ الخُرَاسانيَّةِ".
* * *
---------------
(١) "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٧٥٢).
(٢) "تفسير الطبري" (١١/ ٣٤٨٩).
(٣) "تفسير الطبري" (١١/ ٣٤٩).
الصفحة 1468