كتاب التفسير والبيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

أَفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِد، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ (١)؛ فالمرادُ بـ (مسجدَ الكَعْبَةِ) التعريفُ به، لا حَصْرُهُ بالكعبةِ وما أحاط بها؛ وذلك كقولِهِ تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: ٩٥] وليس المرادُ بذلك أنَّ الهديَ يُذبَحُ عندَ الكَعْبةِ؛ وإنَّما في الحَرَمِ؛ وذلك أيضًا في قولِهِ تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٣٣]، وأكبرُ مَحِلُّ للمَنحَرِ مِنًى، وهي مِن الحَرَمِ.
ويدلُّ على أنَّ اللهَ إذا ذكَرَ المسجدَ الحرامَ أرادَ الحرَمَ كلَّه: أنه قال: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: ٧]؛ فقال: {عَندَ} وذلك لأنَّه كان لي صُلْحِ الحُدَيْبِيَة، وقد كان بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.
وفد جعَلَ ابنُ عبَّاسٍ مَكَّةَ الحرَمَ كلَّه، وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وعطاءٍ: أنَّ مَقامَ إبراهيمَ الذي يُتَّخَذُ مُصلَّى في: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥]، هو الحرَمُ كلُّه (٢).
قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)} [التوبة: ٢٩].
في الآيةِ: قتالُ أهلِ الكتاب، وأخذُ الجِزْيةِ منهم عندَ عَدَمِ قَبُولِهم الإسلامَ، وإذا أَعطَوْها فيُمْسَكُ عنهم، وقد نرَلَتْ في غزوةِ تبوكَ؛ كما قاله غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ (٣).
---------------
(١) أخرجه مسلم (١٣٩٦).
(٢) "تفسير ابن أبي حاتم" (١/ ٢٢٦).
(٣) "تفسير الطبري" (١١/ ٤٠٧)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٧٧٨).

الصفحة 1500