كتاب التفسير والبيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)
وعلى هذا القولِ؛ فلا يجوزُ الانتفاعُ بالقَرْنِ والنابِ، والأظلافِ وريشِ الطيورِ؛ لأنَّه يَتَّصِلُ بها وله حَيَاةٌ؛ وذلك لأنَّ ظاهرَ الآيةِ خُبْثُ اللحمِ وتحريمُهُ، ويلحَقُ به حكمًا ما اتَّصَلَ به.القولُ الثاني: يحرُمُ الانتفاعُ بكلِّ أجزاءِ الميتةِ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ، وشدَّدَ أبو حنيفةَ، ومنَعَ مِن الانتفاعِ بها مِن جميعِ الوجوهِ، حتى بإطعامِها الكلابَ والطيورَ ونحوَها (١).
وروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: سألَ إنسانٌ عطاءً عن صُوفِ المَيْتةِ، فكَرِهَهُ، وقال: "إنِّي لم أسمعْ أنَّه يرخَّصُ إلا في إهابِها؛ إذا دُبِغَ" (٢)؛ وهو صحيحٌ.
والحُجَّةُ في ذلك: عمومُ التحريمِ في الآيةِ في قولِه: {حَرَّمَ عَلَيْكُمُ}، وعمومُ التحريمِ في الآيةِ منصرِفٌ إلى محلِّ التحريم؛ وهو الأكلُ قليلُهُ وكثيرُهُ، ويَظْهَرُ ذلك فيما قبلَها في الآيةِ، قال: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: ١٦٨]، ثمَّ بيَّنَ المحرَّمَ ممَّا يُؤكَلُ، والآياتُ في سياقِ بيانِ المطعوماتِ، لا عمومِ المنافعِ، والمتأمِّلُ لها يَرَى هذا ظاهرًا في قولِهِ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: ١٦٨]، ثمَّ قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ}.
حكمُ جلدِ الميْتة إذا دُبغَ وإذا لم يُدْبَغْ:
وأمَّا جِلْدُ المَيْتةِ: فعامَّةُ العلماءِ على عدمِ طهارتِهِ بلا دِبَاغٍ، وما جاء عن الزُّهْريِّ فيما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ: كان الزهريُّ يُنكِرُ الدباغَ، ويقولُ: "يُستمتَعُ به على كلِّ حالٍ" (٣) فلعلَّه أرادَ دِبَاغَ جلودِ الحيةِ لا الميتةِ.
---------------
(١) ينظر: "الفتاوى الهندية" (٥/ ٣٤٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢٠٧) (١/ ٦٧).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٨٥) (١/ ٦٢).