كتاب التفسير والبيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)
المؤمنينَ حينَما خَيَّرَهُنَّ اللَّهُ بينَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وبينَ الحياةِ الدُّنيا، فاختَرْنَ رسولَ اللَّهِ؛ وهذا القولُ ذهَبَ اليه جماعةٌ منِ السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهم (١).
وقد جاء أنَّ اللَّهَ أباحَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النِّكاحَ بعدَ ذلك، ولكنَّه لم يتزوَّجْ، وعلَّلَهُ بعضُهُمْ: أنْ تكونَ المِنَّةُ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عليهنَّ؛ إكرامًا له وإحسانًا إليه، وقد روى أحمدُ وهو في "السُّننِ" أيضًا، عن عائشةَ -رضي اللَّه عنها-؛ قالتْ: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ" (٢).
وقد قال بأنَّ تحريمَ النساءِ عليه نُسِخَ جماعةٌ؛ كالشافعيِّ وغيرِه، ومِن السلفِ مَن قال: إنَّ التحريمَ باقٍ عليه إلى وفاتِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنَّ آيةَ التحريم لم تُنسَخْ، ورُوي هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، والحَسَنِ (٤)، وابنِ سِيرِينَ (٥).
ومنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بقولِه: {مِنْ بَعْدُ}؛ يعني: ما عَدَّهُ اللَّهُ في الآيةِ السابقةِ ممَّا أحَلَّهُ اللَّهُ لنبيِّه، فما بَعْدَهُ يحرُمُ عليه؛ ورُوِيَ هذا عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٦)، وقولًا لمجاهدٍ (٧).
والقولُ الأولُ أشهَرُ، وعليه جمهورُهم.
* * *
---------------
(١) "تفسير الطبري" (١٩/ ١٤٧)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٤٤٧).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤١)، والترمذي (٣٢١٦)، والنسائي (٣٢٠٤).
(٣) "تفسير ابن أبي حاتم" (١٠/ ٣١٤٦)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٤٤٨).
(٤) "تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٧)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ١٩٧).
(٥) "تفسير القرطبي" (١٧/ ١٩٧).
(٦) السابق.
(٧) "تفسير القرطبي" (١٧/ ١٩٧)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٤٤٨).
الصفحة 1991