كتاب التفسير والبيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

فالفطرُ أفضلُ، والرخصةُ له في الحالَيْنِ بالصومِ أو الفطرِ ما لم يُؤْذِ نفسَهُ بالصومِ.
وهذا أقرَبُ الأقوالِ، وبه تجتمعُ النصوصُ، وعليه تُحمَلُ أحوالُ الصحابةِ والتابعينَ، وتَباينُهُمْ في الصومِ في السفرِ.
وقد جاءتِ الرواياتُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - متبايِنةً بالنهيِ والإقرارِ؛ بالنهيِ عن الصيامِ في السفرِ، وبإقرارِ الصحابةِ على صَوْمِهم وفِطْرِهم؛ فقد روى مسلِمٌ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِسِتَّ عَشْرةَ مَضَتْ مِن رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" (١).
وأضعفُ هذه الأقوالِ: القولُ بعدمِ انعقادِ الصومِ في السفرِ، وأنَّه محرَّمٌ بكلِّ حالٍ؛ فاللهُ قد رخَّصَ لهذه الأمَّةِ بالفِطْرِ، والرخصةُ لا تَلْزَمُ صاحبَها؛ وقد روى أحمدُ وابنُ خُزَيْمةَ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ عُمَارةَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) (٢).
ورُوِيَ عن حمزةَ بنِ عمرٍو الأَسْلَميِّ؛ أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، أَجِدُ بي قُوَّةً على الصيامِ في السفرِ، فهل عليَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) (٣).
قولُه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}:
جعَلَ اللهُ الصيامَ يُسْرًا في أصلِ تشريعِهِ، فكان مستحَبًّا ثلاثةُ أيامٍ
---------------
(١) أخرجه مسلم (١١١٦) (٢/ ٧٨٦).
(٢) أخرجه أحمد (٥٨٦٦) (٢/ ١٠٨)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٠٢٧).
(٣) أخرجه مسلم (١١٢١) (٢/ ٧٩٠).

الصفحة 234

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text