كتاب التفسير والبيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)
تلازُمُ عهدُ الحليف يُلزِمُ جميعَ حلفائه:
وإذا انتقَضَ عهدُ جماعةٍ، انتقَضَ عهدُ حُلَفَائِهم، إنْ لم يكن للحلفاءِ عهدٌ خاصٌّ لم ينقُضُوهُ؛ فقد ثبَتَ في "الصحيحِ"، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ؛ قال: "كانت ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأسَرَتْ ثَقِيف رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَسَرَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ العَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَهُوَ فِي الوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟ )، فَقَالَ: بِمَ أخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ فَقالَ إِعْظَامًا لِذلك: (أخَذْتُكَ بِجريرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيف)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فنادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَحِيمًا رَقِيقًا؛ فَرَجَعَ إِلَيهِ فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟ )، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: (لَو قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ)، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. . ."، الحديثَ (١).
وأَكَّدَ اللهُ لزومَ الوفاءِ بالعهدِ والسلمِ بقولِه: {ادْخُلُوا}؛ لأنَّ الدخولَ انغماسٌ داخلَ الشيءِ، لا مجاوَرَةٌ له.
أحوالُ طلبِ المسالَمَةِ:
وطلبُ السلامِ بينَ المؤمنينَ والمشرِكِينَ على حالتَيْنِ:
الحالةُ الأُولى: في حالِ ضعفِ المؤمنينَ وقِلَّتِهم، وقوةِ الكافرينَ قوةً ظاهرةً غالبةً؛ فهُنا: يَجْنَحُ المؤمنونَ للسَّلْمِ.
قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: ٦١]، وكما في قولِه: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} على التفسيرِ المتأخِّرِ لها، فهم سالَمُوا المشرِكِينَ لمصلحةِ دخولِهم المسجدَ الحرامَ، لا سلمًا يدفَعُونَ به شَرًّا عامًّا، ولكنْ لمَّا أرادَ المسلِمُونَ القُرْبَ مِن دارِهم وقرارِهِمْ، ودخولَ
---------------
(١) أخرجه مسلم (١٦٤١) (٣/ ١٢٦٢).
الصفحة 335