كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 1)

وَلِذَلِكَ نَفَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْمُنَافِقِ أَنْ يَكُونَ خَدَعَ غَيْرَ نَفْسِهِ، إِذْ كَانَتِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ. وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ خِدَاعِ الْمُنَافِقِ رَبَّهُ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ سَائِرٍ بِخِدَاعِهِ ذَلِكَ إِلَى خَدِيعَةٍ صَحِيحَةٍ إِلَّا لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهَا لِمَا يُوَرِّطُهَا بِفِعْلِهِ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ، فَالْوَاجِبُ إِذًا أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقِرَاءَةِ: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 9] دُونَ: وَمَا يُخَادِعُونَ، لِأَنَّ لَفْظَ الْمُخَادِعِ غَيْرُ مُوجِبٍ تَثْبِيتَ خَدِيعَةٍ عَلَى صِحَّةٍ، وَلَفْظُ خَادِعٍ مُوجِبٌ تَثْبِيتَ خَدِيعَةٍ عَلَى صِحَّةٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ أَوْجَبَ خَدِيعَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ بِمَا رَكِبَ مِنْ خِدَاعِهِ رَبَّهُ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِنِفَاقِهِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتِ الصِّحَّةُ لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 9] وَمِنَ الدَّلَالَةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: {وَمَا يَخْدَعُونَ} [البقرة: 9] أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَمَا يُخَادِعُونَ) أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، فَمُحَالٌ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُمْ مَا قَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَضَادٌّ فِي الْمَعْنَى، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] وَمَا يَدْرُونَ، يُقَالُ: مَا شَعَرَ فُلَانٌ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ إِذَا لَمْ يَدْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ شَعْرًا وَشُعُورًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ -[286]-:
[البحر البسيط]
عَقُّوا بِسَهْمٍ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحَدٌ ... ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا حَبَّذَا الْوَضَحُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَمْ يَشْعُرْ بِهِ: لَمْ يَدْرِ بِهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَعْلَمْ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، أَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَادِعُهُمْ بِإِمْلَائِهِ لَهُمْ وَاسْتِدْرَاجِهِ إِيَّاهُمُ الَّذِي هُوَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِبْلَاغٌ إِلَيْهِمْ فِي الْحُجَّةِ وَالْمَعْذِرَةِ، وَمِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ خَدِيعَةٌ، وَلَهَا فِي الْآجِلِ مَضَرَّةٌ. كَالَّذِي

الصفحة 285