كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 1)

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " {§شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] : أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ " فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَرَأَيْتُ قَوْلِهِ: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] فَكَيْفَ قِيلَ {: خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] ؟ وَلَمْ يَقُلْ خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ "؟ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْجَارِيَ بَيْنَ النَّاسِ فِي كَلَامِهِمْ خَلَوْتُ بِفُلَانٍ أَكْثَرُ وَأَفْشَى مِنْ خَلَوْتُ إِلَى فُلَانٍ، وَمِنْ قَوْلِكَ: إِنَّ الْقُرْآنَ أَفْصَحُ الْبَيَانِ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: يُقَالَ خَلَوْتُ إِلَى فُلَانٍ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ: خَلَوْتُ إِلَيْهِ فِي حَاجَةٍ خَاصَّةٍ؛ لَا يَحْتَمِلُ إِذَا قِيلَ كَذَلِكَ إِلَّا الْخَلَاءَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ. فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: خَلَوْتُ بِهِ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْخَلَاءُ بِهِ فِي الْحَاجَةَ، وَالْآخَرُ: فِي السُّخْرِيَةِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] لَا شَكَّ أَفْصَحُ مِنْهُ لَوْ قِيلَ: وَإِذَا خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ لِمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: إِذَا خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ مِنَ الْتِبَاسِ الْمَعْنَى عَلَى سَامِعِيهِ الَّذِي هُوَ مُنْتَفٍ عَنْ قَوْلِهِ: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] فَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنْ تُوَجِّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ -[310]-} [البقرة: 14] أَيْ إِذَا خَلَوْا مَعَ شَيَاطِينِهِمْ، إِذْ كَانَتْ حُرُوفُ الصِّفَاتِ يُعَاقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَمَا قَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] يُرِيدُ مَعَ اللَّهِ، وَكَمَا تُوضَعُ عَلَى فِي مَوْضِعِ مِنْ وَفِي وَعَنْ وَالْبَاءِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
بِمَعْنَى عَنِّي. وَأَمَّا بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14] وَإِذَا صَرَفُوا خَلَاءَهُمْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ؛ فَيَزْعُمُ أَنَّ الْجَالِبَ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ: مِنَ انْصِرَافِ الْمُنَافِقِينَ عَنْ لِقَاءِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ خَالِينَ بِهِمْ، لَا قَوْلُهُ خَلَوْا. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِ إِلَى غَيْرُهَا لِتَغَيُّرِ الْكَلَامِ بِدُخُولِ غَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ مَكَانَهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي وَجْهًا هُوَ بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَصْلُحُ تَحْوِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ -[311]- لَهَا. وَلِإِلَى فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَخَلَتْ مِنَ الْكَلَامِ حُكْمٌ وَغَيْرُ جَائِزٍ سَلْبُهَا مَعَانِيهَا فِي أَمَاكِنِهَا

الصفحة 309